أردنا للجنوب أن يكون جنوباً لما بعد ثورة 2007م، التي جمعت غالبية أبناء الجنوب في ساحات الثورة والتقت القلوب فيها قبل الأجساد، وامتزجت الدماء بحيث أصبح الدم بلون مأساة الجنوب التي صنعتها همجية وسطوة وتطرف وكراهية نظام صنعاء آنذاك فأراد البعض الجنوبي أن يكون الجنوب جنوبا يحاكي جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، التي مثلت أنقاض لبقايا دولة في 13 يناير 86، والتي لم تصمد سوى أربع سنوات وأربعة أشهر وتسعة أيام هي كل عمرها الذي أيضاً لم يسلم من الصراع بين عناصر كيانها المغتصب.
أردنا للجنوب أن يكون جنوباً لتسامح وتصالح يعم كل أرجاء هذا الجنوب ويدخل كل دوره وحواريه وقراه ومدنه، ويعالج جراحات هذا الجنوب، فأراد البعض الجنوبي تسامحاً يقاس وتنسج رأيته على قدر خلافات وصراع تيارات سلطة الأربع سنوات والأربعة أشهر والتسعة الأيام، فحشد ذلك البعض كل طاقاته وإمكاناته لرفع راية هذا الهدف.
ويأتي دائماً منطق حقيقة الأشياء ليعبر عن رفضه لحالة الاختلال القائمة على نتيجة واقع الخطأ بكل الطرق والوسائل؛ فحينما ظن البعض أنه قد أحكم قبضته على الجنوب في يناير 86م، جاء رد المنطق ليضع هذا البعض أمام حقيقة أن لا جنوب بدون تعايش بين أبنائه، ولاجنوب بدون شراكة جنوبية حقيقية وكاملة، ولا جنوب بدون تصحيح الأخطاء ومعالجة الجراح، وتهيئة الأرضية بإشراك النسيج الجنوبي بتمثيله الوطني في عملية صيانة وبناء هذا الجنوب، ومع إصرار هذا البعض على مخالفة المنطق وتماديه في سلوكه التمزيقي وجد نفسه أمام خيارين أحلاهما مر فأما جولة جديدة لصراع عسكري جنوبي داخلي يقضي على ما تبقى من أطلال شبح الدولة أو الانتحار الاختياري بالارتماء في أحضان نظام صنعاء الذي ساهم بشكل أو بآخر في إيصال الجنوب إلى هذه الخيارات المرة مستغلاً تلك العقليات الجنوبية المتسلطة والحالمة بالحكم، ولو على رماد الوطن والمواطن.
ورغم وجود خيارات أخرى بديلة حينها كخيار المصالحة الوطنية الجنوبية إلا أن عادة الإصرار على الخطأ المترسبة في قاع عقلية البقايا الجنوبية في 22 مايو 1990م، قادتها إلى خيار الإنتحار تحت مسمى الوحدة اليمنية في سابقة لم يشهد التاريخ لها مثيل أن يباع وطن وشعب وتاريخ من خلال (صفحة ونصف) أطلق عليها مجازاً اتفاقية الوحدة، وجاء مرة أخرى صوت المنطق ليذكر أنه مازال هناك متسع للتنازل عن الإصرار على الخطأ، ومعالجة ما حدث من خلال مصالحة وطنية جنوبية فأعلنت بالمقابل العقلية الجنوبية الحالمة بالملك والسلطة والحكم استمرار شعورها بالمرض فرفضت التقارب الجنوبي مرة أخرى، وتسابقت الأطراف لمغازلة صالح حينها من خلال تزلف كل طرف على حساب الطرف الآخر الجنوبي، ولعب حينها صالح بهذه الورقة وأوصل الجنوب إلى مرحلة جديدة تصدر عنوانها هزيمة أخرى جديدة، تمثلت في الاجتياح لعدن والجنوب في 7 يوليو 1994م.
اليوم من جديد تطل علينا تلك العقلية المحبة للسلطة والهائمة في غرام رغدها لتلغي كل خيارات العقل والمنطق، وتتبع خياراتها التي تصب في خدمة هدفها الخاص، وتستخدم لذلك أدواتها المعتادة القائمة على الشحن وخلق الفرقة وبيع الوهم، وكالعادة ستجد تلك العقلية نفسها مرة أخرى أمام خيارات أكثر مرارة لأنها لم تستوعب بعد أن الجنوب وطناً، وليس عزبة وأن الجنوب دولة وليس قرية أو عزلة أو محافظة، وأن الجنوب شعب وليس قبيلة، وأن الجنوب قوى وأحزاب ومنظمات مجتمع مدني وشخصيات مستقلة وليس «طغمة وزمرة»!