تأزم الوضع في مدينة عدن على خلفية دعوة المجلس الإنتقالي الجنوبي للتظاهر ضد حكومة بن دغر في ساحة العروض، والتي مهدت للمواجهات العسكرية هناك، وبالتزامن مع تلك الأحداث، أعلن محافظ تعز أمين محمود، وعبر قناة تلفزيونية إماراتية، انطلاق معركة تحرير تعز، وبعد انتهاء الماجهات في عدن، وإحكام المجلس الإنتقالي الموالي للإمارات قبضته على مدينة عدن، ومحاصرة بن دغر ووزاء حكومته في معاشيق، تراجع اسناد التحالف للمقاومة والجيش الوطني، وتراجعت حدة المواجهات مع الحوثيين، وتبين أن «معركة تحرير تعز»، لم تكن سوى مسرحية دامية هدفها التغطية على أحداث عدن وتحريرها من آخر نفوذ للشرعية.
مئات القتلى والجرحى من المقاومة والجيش الوطني وقبلهم من المدنيين، جميعهم ضحية أهداف مشبوهة للإمارات والسعودية، اللتان لاتندرج تعز ومأساتها الإنسانية ضمن أولوياتها.
تكررت إعلانات معارك تحرير تعز، ولا يزال أهالي المدينة يخنقهم الحصار الطويل الذي يفرضه الحوثيون. ولا تزال الخدمات متردية في المناطق المحررة والمستشفيات، تفتقر لدعم التحالف، ومرتبات الموظفين، وبخلاف المحافظات المحررة، يحتاج كل راتب شهر لمسيرة بطون خاوية وأقدام حافية حتى تصل مظلمة موظفي تعز إلى الحكومة الشرعية لتصرف راتب شهر وتقطعه ثلاثة وأربعة أشهر بعده.
لا مؤشرات لجدية التحالف لتحرير تعز، والتي يعتبر مراقبون أن معركتها مفصلية في هذه الحرب، ففي كل مرة يتم فيها إعلان عملية عسكرية ضد الحوثيين، يتكشف زيفها وتحصد المدينة منها الانتقام بقصف عشوائي على التجمعات السكانية بشتى أنواع الأسلحة، ما يضاعف الكلفة في أرواح المدنيين، الذين يسقطون في كل عملية تحرير، خاصة وأن المستشفيات التي ما زالت تعمل، تتحمل فوق طاقتها الاستيعابية، في حين أن مستشفى الثورة الحكومي، متوقف عن العمل، ويفتقر إلى أبسط التجهيزات، والمستشفى الجمهوري، متوقف حتى عن العمل منذ بدء الحرب وحتى اللحظة، والمستشفى العسكري لا يزال خارج الخدمة، وكل ذلك يعرفه التحالف الذي أعلن انطلاق معركة التحرير، من دون أي تجهيزات طبية، ولا اعتبار للاسناد الطبي لمواجهة الإصابات التي تطال المدنيين والعسكريين.
إن الحرب التي تدور في تعز منذ سنوات، لا يراد لها الانتهاء، فهي فقط كر وفر وسيطرة على مرتفعات وخسارتها بشكل دوري، وكأن قيادة التحالف عزمت على جعل تكاليف الحرب باهضة على المدينة وسكانها، الذين أشعلوا شرارة ثورة الـ 11 من فبراير لاسقاط النظام الفاسد، وهو ما أثار فزع ممالك الخليج من تصدير أفكار الثورة والتغيير.
هذا الإنتقام من تعز، يوحي بأن هدف النظامين السعودي والإماراتي، إيصال رساله إلى شعوب المنطقة، أن ثمن الثورات والمطالبات بالتغيير، خراب ودمار وفلتان أمني، وهذا الأخير، تنفذانه في تعز بدعم الجماعات والفصائل المسلحة والعصابات على حساب الجيش الوطني، ناهيك عن دعم الجماعات الأيديولوجية المتطرفة، التي تم دعمها بالمال والسلاح، لتفرض هيمنة متوحشة على المدينة، بما يتوافق مع التصورات الشمولية الراسخة في أذهان قياداتها، التي لا تزال تحكم بنظام الحسبة وهيئة المعروف. إن الجماعات الدينية التي تدعمها الإمارات والسعودية في تعز، تفرض هيمنة ثقافية معادية لثقافة التنوع في المدينة، وهي على استعداد تام لاستخدام سلاحها الثقيل داخل الأحياء السكنية لأتفه سبب، أو لفرض مشروعها التكفيري.
لقد أطلقت قيادة التحالف هذه المعركة «تحرير تعز»، وهي تعرف حجم الإهتمام الكبير والتأييد الذي ستحظى به المعركة التي طال انتظارها، وما تمثله للسكان المحاصرين، لكنها تجاهلت عمداً المتطلبات الموضوعية لنجاح مثل هذه العملية، وفي مقدمة ذلك، التجهيز اللوجيستي للخروج بأقل الخسائر، وهو ما تم تجاهله بصورة كشفت الإستهتار بحياة المدنيين والعسكريين، الذين يسقطون في المواجهات، ويبقى الحديت عن دعم مالي نقدي لبعض القادة العسكريين في مدينة محاصرة، ليس له محل من الإعراب، فالتعزيزات للحوثيين ومن كافة الطرق الرئيسية والفرعية، تتواصل ليل نهار تحت تحليق طيران التحالف، الذي تكررت أخطاؤه في استهداف المدنيين.
اشتعلت معركة تحرير تعز في الإعلام ووسائل التواصل الإجتماعي، وكان الهدف، إشغال الرأي العام عن انقلاب المجلس الانتقالي بمليشياته على الشرعية وحكومتها.
إن معركة تحرير تعز، لو أراد التحالف نجاحها، لكانت عملية خاطفة وخسائرها محددة، وقليلة التكاليف، لكن هذه المعركة، لا يراد لها أن تنتهي، على الأقل في الوقت الحالي، حتى تستكمل كل من الرياض وأبوظبي ترتيب أوراقها، لأن تعز جنوبية في حساب الشمال، وشمالية في حساب الجنوب. وهي بالنسبة لنا، قلب الوطن النابض بالنهضة والتعايش مع الجميع.