في مدة متقاربة ودعت حضرموت ثلاثة من كبار البيت العلوي الحضرمي، ابتداء بالسياسي المخضرم عبد الله صالح البار، تلاه الفقيه العلامة سالم عبد الله الشاطري، ثم لحق بهما في مشهد دموي إمام جامع المحضار الشهير عيدروس بن سميط، كل ذلك دفع بهذا البيت العلوي إلى واجهة الأخبار وحرك لدى كثيرين فضولاً عن تأثيره وحضوره في اللوحة السياسية والاجتماعية في حضرموت، لا سيما وهي تشهد مخاضات سياسية أخطبوطية متداخلة الأطراف تتفاعل على أرضها وتتجه نحو الصراع المؤجل.
إن للعلويين الحضارم تأثيرهم السياسي والاجتماعي والثقافي في المجتمع الحضرمي، أدركه كتاب النخبة المثقفة بحضرموت، حتى قال عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف (تـ 1956): «تقلب الأحوال في حضرموت بالغالب راجع إلى أحوال العلويين صلاحاً وفساداً، اجتماعاً وانقساماً، فمتى صلحوا استتب النظام، وعاش الناس بسلام، ومتى انحرفوا وجاء الانقسام، تبعه الشر العام، وجاءت البلايا والآلام»، ولأن أغلب النخب المتعلمة والمثقفة في المجتمع الحضرمي كانت من أسرهم، سواء في الوطن أو المهجر، ولما يبديه عامة الناس لهم من مودة وإجلال لنسبهم الذي يصلهم بنبي دينهم، حتى قال عنهم صلاح عبد القادر البكري (تـ 1993): «سلطتهم تشبه إلى حد كبير سلطة مشايخ الصوفية وأرباب الطرق والمقامات في مصر وغيرها من البلاد الإسلامية»، ويجمل الدكتور عبد الله الجعيدي تلك المزايا للأسرة العلوية، حيث يقول: «لم يكن السادة أو العلويون ذوي نفوذ روحي فحسب، بل كانوا أيضاً من الناحية الذاتية أكبر قبيلة في حضرموت من حيث العدد والثقافة والمال، ومتانة العلاقات فيما بينهم والتأثير في مجتمعهم، وتتوزع فروعهم على مختلف مناطق حضرموت والمناطق المجاورة، وغالباً ما نجد الفرع أو البطن الواحد يقطن مناطق متباعدة، ولقوة نفوذهم الديني في حضرموت اعتقد بعض الساسة البريطانيين أنهم بالفعل يحكمون حضرموت»، ولكنهم لم يسعوا فعلياً إلى ملك أو سيطرة سياسية علوية في حضرموت.
ويعبر عن هذا الشعور وتلك المكانة نحو العلويين الشاعر أحمد عمر باذيب، حيث يقول:

«بني هاشـم أنتـم مرادي وبغيـتي أرى حبـكم طي الجـوانح ثاويا
وأنتـم رءوس الناس والــناس لم تزل بكم إن صلحتم أو فسـدتم تواليا»

ومن ثم رأينا الشاعر العلوي ابن عبيد الله السقاف يقول معاتباً لقومه ومستنهضاً:

«إلام وأنتـم يا بني المصـطفى الراس تنامون حتى يعظم الخطب والباس
بمن غيركم يا مظـهر الحـق والهدى إذا لم تذبـوا عنهما يهتدي الناس
لقد درسـت سـبل العلى وتنكرت فآثـارها بعـد العمـارة أدراس
وقد نجمـت في قطركم حيث إنكم سـكتم ضلالات تزيد وأرجاس
دجى الجهل والطغيـان ألقى رواقـه فهل لظـلام الجهل والبغي نبراس»

وليس في ذلك ما يدل بالضرورة على تميزهم واستعلائهم على غيرهم من مواطنيهم، ويبين الشاعر محمد بن هاشم بن طاهر حالة التكامل والتعاضد بين العلويين وسائر فئات المجتمع الحضرمي فيقول:
«يا بني الأوطان شـدوا أزركم ببني الزهـراء حبًا واحتراما
لا غنى عنهم بكم كـلا، كما لا غنى أيضًا لهم عنكم دواما»

وقد لعب العلويون في تاريخهم الحديثة أدواراً سياسية، وسجلوا حضوراً سياسياً في منعطفاته كافة، وإن كان لا يتجاوز العمل الفردي، وقد تواصل ذلك الحضور مع الأطراف الفاعلة سواء منها الداخلية أو الخارجية دون أن يسجل أي محاولة لتأسيس حكم علوي بحضرموت.
فوزراء السلطنتين القعيطية والكثيرية اللتين كانتا تشغلان الفراغ السياسي بحضرموت كانوا غالباً من السادة العلويين، وأكثر بيوتهم تأثيراً في ساحلها كان بيت المحضار، وفي واديها كان بيت الكاف هو صاحب الحضور الأكبر، ولكلاهما علاقاته مع الإنجليز الذين كانوا يمثلون احتلالاً غير مباشر لحضرموت، حتى إن أبو بكر بن شيخ الكاف قد حظي بتكريم مباشر من ملكة بريطانيا لدى زيارتها لعدن في منتصف الخمسينيات من القرن المنصرم.
وبالمقابل، كان من البيت العلوي من يدفع بحضرموت نحو خصوم الإنجليز من حكام الدولة اليمنية المتوكلية المهيمنة على شمال اليمن آنذاك، بل من العلويين الحضارم من كان وزيراً في تلك المملكة وسفيراً لها في الخارج، ولا سيما من بيت آل بن يحيى الذين إثر وفاة جدهم محمد بن عقيل أعلنت المملكة له الحداد لثلاثة أيام، وشعيته بجنازة عسكرية، وذلك في مطلع الثلاثينيات من القرن الفارط.
واليوم، يسعى البيت العلوي جاهداً، ولا سيما في معقله بتريم، أن ينأى بنفسه عن أخطبوط السياسة الذي تتعدد أذرعته اليوم بحضرموت ما بين ساحلها وواديها في زمن سياسي شبيه بأعتاب القرن العشرين يتكرر مع أعتاب هذا القرن، لكن محاولات جرهم إلى أتون اللعبة السياسية الحاضرة ما زالت تعتمل، بل تبدو مستميتة وبدأت تتلون بلون الدم، ونتوقع أن يدفع بذلك بعض بيوتهم ووجاهاتهم لمراقصة تلك الأذرع لعلها تفدي بذلك المجموع ليتفرغ لرسالته العلمية والدعوية والاجتماعية.
إن الهدوء الذي يلف نشاط العلويين في مدينة تريم كان وما زال يشكل إزعاجاً لدى الأطراف السياسية اللاعبة بحضرموت، مما كان يضطرها للتحرش بها لإخراجها من سكينتها لمحاولة بعثرة ما تظنه أهدافاً بعيدة لها، ولا سيما وهي ترى تزايد حضورها أو نفوذها بين من تعتبرهم رعاياها، والسياسة هي أخت الوسواس؛ لذا كان بعض سلاطين آل كثير يتعمدون التحرش ببعض ذوي التأثير والنفوذ من علويي تريم، وقد تمكنت إحدى جمعياتهم (جمعية الحق) من السيطرة التامة على تريم وإدارة حكمها سنة 1916، ثم تلتها جمعية أخرى (جمعية الأخوة والمعاونة) سنة 1928 كان لها حضورها المحلي وتواصلها الإقليمي، فسارع الإنجليز لمضايقة بعض أفرادها، وسعى لمحاصرة كثير من أعمالها، وعمل على منعها من التمدد في مناطق حضرموت وجوارها الوطني.
إن من الأطراف السياسية من لا يزال يزعجه ذلك الهدوء العلوي بتريم، ويرى فيه نذر عاصفة لا يرغبها، وجميع اللاعبين أو العابثين السياسيين اليوم بحضرموت لا يطمع أي منها بالحصول على تأييد شامل من العلويين، لكنها تحرص جميعها على وجود أفراد من البيت العلوي في صفوفها، ثم لكل منها مآربه في تأييد وجودها وتحقيق أهدافها على الملعب الحضرمي الذي ربما يتم تهيئته للتصفيات النهائية فيما بينها.
التعليقات