سأستعير هذه المرة عنوان مقال للزبيري في مجلة «العربي» كتبه أواخر خمسينيات القرن الماضي: «القات هو الحاكم الأول في اليمن»، ولكن ليأذن لي أن أحلل هذه المقولة وفي هذا الظرف السياسي الذي يمر به اليمن بالتحديد، حيث تتناهشه سلطات متباينة ومختلفة، وعلى مناطق نفوذ متفرقة، بيد أن الحاكم الحقيقي والفعلي وصاحب الكلمة الفصل هو الفساد، الذي يعد «القات» أحد أذرعه الأساسية.
يعيش اليمن في هذه اللحظة عصر السلطات المتناحرة وأمراء الحروب المتنفذين على أقوات الناس والضعفاء، إذ يوجد بحسب الوضع الحالي 4 سلطات ومراكز نفوذ رئيسية، إضافة إلى مراكز نفوذ صغيرة أخرى ولكن لا تصل إلى مستوى هذه المراكز الأربعة، وهي: سلطة «الانقلاب» في صنعاء وما حولها في شمال اليمن ووسطه وغربه، وسلطة مأرب وماجاورها من محافظة الجوف وبعض مديريات صنعاء، وسلطة «الشرعية» وشركائها في عدن ومناطق الجنوب وبعض أطراف الشمال، وسلطة حضرموت.
وعلى الرغم من وجود بعض الاختلافات في السياسات وفي طبيعة الخدمات من منطقة إلى أخرى فإن الفساد ومظاهره ووجوهه هي القاسم المشترك الذي يطحن الجميع في طريقه وفي كل مكان في اليمن وتحت أي سلطة.
أول مظاهر الفساد، هو التلاعب بالمحروقات، وعلى الرغم من تحرير سوق المشتقات النفطية، فإن جهات ما لاترى بالعين المجردة هي التي تتحكم بسوقها، وينتج عن ذلك أن يتم بيعها للموطن بأسعار تفوق سعرها الدولي بأضعاف مضاعفة، وإذا كان المواطنون في الأصل فاقدين القدرة على الشراء فإن هذا التضاعف في أسعار المشتقات النفطية يشق عليهم أكثر، هذا في حالة كانت الأمور تجري بهذا الشكل، ولكن الحقيقة أنه لايتم توصيل تلك المشتقات إلا بعد أن يرغموا أنف المواطن التراب وبعد أن يعذبوه حتى يرى أن حصوله على المحروقات ولو بأضعاف سعرها هو منة وفضل من الجهة التي تمنحه، وهنا يستوي المواطن تحت سلطة «الإنقلاب» مع المواطن تحت سلطة «الشرعية».
الأمر الآخر المثير للاستغراب والدهشة، هو موضوع التلاعب بالعملة، وفي حين أن هناك بنكين مركزيين وسلطتين مركزيتين وأربع سلطات تتوازع الثروة والمال فإن قانون التلاعب بالعملة قانون واحد يؤثر على الناس بالدرجة نفسها سواء كانوا في صنعاء أو غيرها، إن هذا الأمر يؤدي إلى تضاعف الأسعار بشكل جنوني ويلتهم في طريقة الناس بعد أن وقفوا عاجزين لا عن دفع مصاريفهم اليومية العادية، ولكن أن يعجزوا عن سد رمقهم من الجوع.
أما قانون الفساد الأساسي الذي يعتبر علامة مسجلة بسلطات اليمن ليس من الآن فحسب بل يتوارثونها كابراً عن كابر، فهو المحسوبية والمحاباة وتقديم الأقارب والموالين على حساب الكفاءات والمستحقين. فإذا كانت في صنعاء غير مستغربة بوصفها سلطة «إنقلاب» قامت فكرتها بمرجعية دينية، فإن الأمر يبدو مستغرباً من قبل سلطة تدعي «الشرعية» وفي وقت حرب ونزاع على فكرة «الشرعية» نفسها، وهي تمارس أبشع صور «اللاشرعية»، من خلال تقديم الأصهار والأبناء والأزواج وأبناء العم، على حساب أدنى معايير الكفاءة والاستحقاق.
وهكذا تتغير السلطات وتتغير الأماكن والظروف ويظل الفساد من خلال احتفاظه بالبنية ذاتها التي يشتغل بها داخل المجتمع متجاوزاً فكرة تغير السلطة من جيل إلى جيل أو من حزب إلى حزب أو من أيدولوجية إلى أخرى، والأمر الأكثر رعباً أن الفساد يزيد مع مرور الزمن ويستطيع أن يتكيف مع التغيرات ليصبح أكثر تجذراً؛ مما يصعب أمر خلعه من سلطته التي يمارسها على اليمن واليمنيين.
التعليقات