الأسبوع الماضي، أبادت الغارات الجوية التي تشنها طائرات السعودية عدداً من الأسر اليمنية. إحدى هذه الأسر تخص زميل دراسة كان يتوضأ لصلاة الظهر، عندما قصف منزله بصاروخ. كانت منطقة المحول بدمنة خدير تعز، التي يسكن فيها الأستاذ صادق ثابت أحمد، قد تعرضت في اليوم السابق لغارة أبادت المواطن صادق عبدالله الحاج مع أسرته المكونة من 13 فرداً. وفي اليوم نفسه أيضاً، أبادت غارة أخرى أسرة كاملة في محافظة صعدة.
هذه ليست المرة الأولى التي تشن مقاتلات «التحالف العربي» بقيادة السعودية غارات على منازل المواطنين، قاطعة حرثهم ونسلهم، بلا ذنب ولا جنحة. فعلى مدى ثلاث سنوات، لم تعد هناك منطقة في اليمن، سيما المحافظات الشمالية، إلا وقصفت طائرات «التحالف العربي» منزلاً فيها أو أكثر، وأحالته إلى ركام مع ساكنيه. وفي الجنوب، ليس الوضع بأفضل حال، فما لم تجد طائرات «التحالف» مبرراً لقصفه، تولّت أمره الطائرات الأمريكية من دون طيار بحجة «محاربة الإرهاب».
هكذا يسترخص فائض القوة والمال دماء اليمنيين من دون أن يعدم الذريعة، في الشمال يحاربون لأجل إعادة «الشرعية» وتقليص «نفوذ إيران»، وفي الجنوب يحاربون «الإرهاب»! إنها الحرب بمفهوم عصر التسلّح النووي، عصر القادة المصابين بفائض استرخاص الدم غير المحمي بقوة نووية أو وفرة مال.
قبل نهاية الحرب العالمية الثانية لم يكن العالم يعرف شيئاً عن السلاح النووي. من الذي روى تلك العبارة المنسوبة لروزفلت وهو يبشر تشرشل وستالين بأن لديه قنبلة سوف تنهي الحرب مع اليابان؟ لا بدّ أن الحلفاء كانوا يشعرون بورطة الحرب مع محاربي الساموراي الذين لا يستسلمون، أكثر من جيوش هتلر التي كانوا قد تمكنوا من قهرها في قلب برلين. لذلك قال ستالين: قنبلة واحدة سوف تنهي الحرب مع اليابان؟ يا له من حظ طيب! وبعدما رأى العالم الدمار الذي حلّ بناجازاكي وهيروشيما، وذلك الاستسلام المذلّ لليابان، بدأ هوس محاكاة القنبلة التي أنهت الحرب. وخلال أعوام الحرب الباردة، تم تطوير فكرة هذه القنبلة حتى أصبحت سلالة من القنابل التي تبقي الحرب خارج أراضي من يمتلكها فعلاً.
لكن هل عادت هذه الفكرة الرادعة بسلام مستدام على العالم! ومع ذلك، ما زالت حمى امتلاك السلاح النووي تسري في دماء قادة الألفية الثالثة، بمن فيهم قادة الدول العربية، أولئك القادة الذين ناموا طويلاً وعندما استيقظوا ذهبوا للقاء الرئيس الأمريكي باراك أوباما، طالبين منه المساعدة في بناء مفاعلات نووية لحماية بلدانهم. هذا على الأقل ما قاله الناطق باسم البيت الأبيض حينها، عندما كانت الحرب الشاملة في اليمن في أشهرها الأولى، وحين كانت غارات طيران «التحالف» لم تتفوق بعد على مدفعية «الجيش واللجان الشعبية»، في حصد أرواح المدنيين.
في كتابه «العولمة والديمقراطية والإرهاب»، يتحدث المؤرخ البريطاني إريك هوبزبام عن الفرق المتصاعد في نسبة الضحايا المدنيين منذ الحرب العالمية الأولى وصولاً إلى حروب الألفية الثالثة: «إذ لم يشتمل عدد قتلى الأولى إلاّ على 5% من المدنيين، في حين ارتفعت هذه النسبة في الثانية إلى 36%. أما اليوم فإنه يفترض أن 80-90% ممن يتضررون من الحرب هم من المدنيين».
السبب في هذا الارتفاع المخيف يعود، في جزء أساسي منه، إلى قدرة آلة الحرب على حماية المقاتلين، بينما لا يجد المدنيون وسيلة لحماية أنفسهم من بعوضة، ناهيك عن صاروخ أو قذيفة أو حتى رصاصة. إنها أخطاء الحرب وخطاياها التي لم يجد المواطن صادق ثابت أحمد وآلاف الضحايا المدنيين غيره وسيلة لتفاديها، كان يتوضأ لصلاة الظهر ولم يعلم كم أبادت الغارة العمياء من أفراد أسرته وكم أبقت. لا أحد ينجو من ويلات كهذه حتى لو بقي على قيد الحياة، إذ تتكفل الإعاقات الدائمة والآثار النفسية بالقضاء على ما تبقى من رمق في الناجين، وما لم تتوقف الحرب، لن يكون بمقدور أحد أن يحصي كل هؤلاء الضحايا أو التنبؤ بما ستكون عليه حياتهم.