صحيح أن اليمن لديها مشاكلها الخاصة عبر عقود مضت، وصحيح أن أغلب تلك المشكلات لها امتدادات خارجية، غير أنها الآن أصبحت جزءًا أساسياً من لعبة الصراع في الشرق الأوسط بشكل عام، إذ تحاول مختلف الأطراف المتصارعة على مستوى دولي أن تبقي اليمن جزءًا من أداوت ذلك الصراع، فمثلما كانت أفغانساتان جزءًا أساسياً من الصراع بين الاتحاد السوفيتي وأمريكا، أصبحت الآن اليمن مع سوريا والعراق ولبنان جزءًا أساسياً من الصراع المباشر بين المملكة العربية السعودية وإيران.
إن هذا التداخل الدولي بين المشكلة الداخلية وامتداداتها الخارجية يضاعف من حجم الخطر ويبقي السلام على مسافة أبعد، ويضيف إلى القضية المزيد من التعقيد على وضع يصف بالمعقد من ذاته.
لقد أشرنا في مقالات سابقة إلى طبيعة الصراع في اليمن، وإلى تعقيداته الداخلية والأطراف الفاعلة في هذا الصراع، ولكن أيضاً بالإضافة إلى كل ذلك فإن اليمن والصراع فيه ينطوي تحت لافتة كبيرة تمثل فيها إيران والمملكة العربية السعودية العنوان الأبرز، فقبل الحرب بأيام كانت إيران قد عملت على افتتاح خط نقل مباشر بين اليمن طهران، ثم انطلقت الحرب في مارس 2015 تحت لافتة إعادة «الشرعية» في اليمن ومواجهة الخطر الإيراني، بيد أن هذا الصراع أيضاً هو صراع بالوكالة، يمثل طرفاه الأساسيان، الولايات المتحدة الأمريكية من جهة وإيران من جهة أخرى، وهو ما يجعل هذا الصراع مركباً على طبقات، تمثل الطبقة الأولى، أمريكا وإيران، والطبقة المتوسطة السعودية وإيران، والطبقة المباشرة وعلى الأرض عبر الأطراف المتحاربة في الداخل في اليمن.
إن الأمر الأخطر أن كل هذا يأتي في ظل تصعيد الإدارة الأمريكية الأخير في منطقة الشرق الأوسط، فيما يبدو أنه توجه عام للبيت الأبيض في هذه الفترة بالتركيز على إيران، في الوقت الذي تعمل فيه على تصفير المشكلات في مناطق أخرى من العالم كما هو في كوريا الشمالية، حيث أعلن الرئيس الأمريكيي دونالد ترامب، أنه يسعى إلى لقاء الزعيم الكوري الشمالي من أجل إنهاء التوتر الدائم بين البلدين، وفي الوقت الذي تم فيه أول اجتماع ناجح بين زعماء الكوريتين، فيما يبدو أن توجه أمريكي جديد لإنهاء مختلف بؤر النزاع حول العالم وتركيز كل الجهد على منطقة الشرق الأوسط، وهو ما يجعل اليمن من أهم بؤر الصراع المفتوحة التي تستدعي مواجهة إيران عبرها.
إن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هنا هو عن مدى إدراك الوكلاء المتصارعين في الداخل اليمني لكل هذه الطبقات التي تعلوهم، وعن مدى إدراكهم أنهم جزءًا من صراع سياسي دولي، يكونون هم وقوده، وأدواته التي يتم استعمالها عن بعد. إن هذا التساؤل افتراضي بكل تأكيد، لأنه يبدو أن لا أحد من الأطراف السياسية أو العسكرية الموجودة على الأرض تملك قرارها بنفسها، فبالقدر الذي تتقسم فيه الولاءات على الأرض في أطراف الشرعية بين كل من السعودية والإمارات، فإن السلطة «الحوثية» في صنعاء تتماهى مع المشروع الإيراني وحلفائه في كل من العراق وسوريا ولبنان، من هنا فإنه من الصعب إبعاد حبل اليمن عن هذا الصراع الدولي، حتى في هذه المرحلة على الأقل، إذ ستسعى الأطراف الدولية لإبقاء هذه المنطقة على توترها لاعتقاد كل طرف أنه ينهك الآخر عبره، وفي الحقيقة أن الخاسر الأكبر والمتضرر الوحيد هو الشعب اليمني الذي لا حول له ولاقوة في كل ما يجري.
التعليقات