تقاس مشروعية الأطراف المتصارعة من منظور المستقبل من خلال قياس مضامين الحريات في أجنداتها، وهنا يمكن القول بشيء من الطمأنينة المؤلمة بأن كل الأطراف المتناحرة حالياً في اليمن، تسجل أصفاراً في هذا الجانب، على تفاوت في تفاصيل الصفر، وتفاصيل أخرى في أدوات قيود تلك الحريات، ما بين التهديد، والسجن، والقتل، واستعمال وسائل إضافية لاتخطر على بال.
لا تعني الحرية الرغبة في البوح والتعبير فقط، ولكنها تعني المشاركة والقبول بالرأي الآخر، واعتباره جزءاً يمكن التكامل معه من أجل الوصول إلى حلول معينة تخدم المجال العام بعيداً عن الشخصنة، سواء كانت لفرد أو جماعة، لهذا يتم الهجوم على مفهوم الحرية أولا بوصفه تهمة، والربط بين الحرية وحقوق الإنسان والثورة مع الخيانة والعمالة والتبعية لدول أجنبية ومعادية، لتشكل كلها قائمة في قاموس العار.
قبل أيام أفرج الحوثيون عن الصحافي أنور الركن، ليموت بعد يومين، بعد اختفاء قسري دام أكثر من عام، لم يعلم أحد عن مكان اختفائه، ليظهر بعدها بملامح الميت، الذي يبدو أنه عاش عاماً من الوحشة والتعذيب والتجويع، وليسجل للناس شهادته الحية على بشاعة الأيام التي قضاها في محبسه ثم يموت. وقبل الركن عشرات الصحافيين الذين تعرضوا للتنكيل والتعذيب والحبس والتشريد والقتل أيضاً. لم يعد الحوثيون يقبلون أي اختلاف في الرأي، حتى وإن كان من يختلف معهم قد قضى معظم عمر حكمهم في الترويج لهم ولسلطتهم، كما هو الحال مع علي البخيتي ومع محمد عايش وغيرهم من الكتاب الذين ناصروهم منذ 2011. ينزعون الحرية الآن بدعوى مواجهة العدوان وإسكات المرجفين والطابور الخامس، وسيسكتونهم في حال السلم بدعوى الخيانة والعمالة للخارج والتخريب، فالرغبة في إسكات المختلف ستجعلهم يبدعون في اكتشاف المبررات اللازمة لاستمرار القمع.
مأرب التي تعد معقلا للسلطة المقربة من حزب الإصلاح، وحيث يمكن القول إنها خالصة لهذا التيار الذي يدعم الحكومة الشرعية ويمثلها في هذه المنطقة، لا يرحب إلا بمن يقف في صفه، ويخشى حتى العابرين هناك من أن يطالهم الاختطاف والتغييب، كما حصل للأكاديمي الدكتور مصطفى المتوكل، الذي كان عائداً من مؤتمر علمي في المغرب، وتم اختطافه في مأرب، وما زال مغيباً في السجون حتى الآن، إضافة إلى الكثير من التهم الموجهة بوجود سجون سرية هناك لاتخضع لأية قوانين أو محاسبة، وتفتح باب الصوت الواحد لمستقبل يحكمه تيار ولا يقبل بالمختلف معه لأنه يهدد مصلحته الشخصية أو الحزبية أو القبلية.
والأمر مشابه على نحو مطابق في عدن وفي حضرموت وفي غيرها من المناطق، حيث لا يسمح للكاتب أو الصحافي إلا أن يكون جزءاً من صوت المتحكم في منطقة النفوذ، وإلا كان خائنا ومتعاونا مع العدو، وبدعوى أنه وقت معركة وليس هناك من مجال للاختلاف، وهذا تكريس للصوت الواحد الذي يثبِّت الآن بحد السيف وحرارة الرصاص هذه السياسة لتكون جزءاً أساسياً من المستقبل.
يعادون الحرية ويعادون الصحافة الحرة تحديدا لأنها تعني إلغاء مركزية الفرد ومركزية الجماعة، وإعلاء للحجة التي يمكن لهذه الصحافة أن تجعل منها حقيقة تستطيع أن تقنع الناس وتجعلهم يختارون ما يصلح لهم بأنفسهم دون تلقين أو وصاية من أحد، وهذا ما يتناقض مع ما تريده هذه الأطراف التي تفترض في الناس بانهم لا يفقهون شيئا، وعليهم أن يوجهوه بوسائل إعلامهم الوجهة التي يريدون. وفي الحقيقة هذا الأمر لا يهدد الحرية بشكل فردي، ولكنها تهدد كل مناحي الحياة الأخرى، لأن في الفردية تعزيز للفساد الذي لا تسلم منه النفس البشرية عند غياب الضوابط القانونية والصحافة الحرة التي تكشف الحقائق للناس وتجعلهم يحافظون على مكتسباتهم بأنفسهم.