في التاسع من شهر يونيو لهذا العام يكون قد مرّ قرن، أو 100 عام، على أول إعلان رسمي دولي ينص على حضرموت إقليماً فيدرالياً موحّداً، ومكوّناً من دولتين ذات طبيعة عشائرية. أتى ذلك في وثيقة رعتها بريطانيا العظمى لغرض فرض السلام بين تلكما الدولتين المتنازعتين، وذلك بعد أن عجز أي منهما بسط سيطرته الكاملة على الأرض الحضرمية في صراعهما الطويل الذي عانت منه حضرموت منذ حوالي الربع الأخير من القرن التاسع عشر حتى مشارف القرن العشرين.
وبذلك تكون هذه المنطقة الواقعة في جنوب الجزيرة العربية قد حملت لأول مرة اسم حضرموت في وثيقة رسمية دولية، وقعت في مثل هذا الشهر من عام 1918، وهي قد نصّت على وحدة حضرموت، وأنها كيان واحد لا يتجزأ، وإنْ حُكم من عاصمتين مختلفتين سياسياً، متوحدتين اجتماعياً وثقافياً، لكن مع وقوعها تحت الحماية البريطانية أو الصداقة المشروطة.
وبمراجعة سريعة لحالة حضرموت مع محيطها اليمني، نجد أن ثمة تشابهاً جماً يكرر نفسه في حالتها السياسية، فمحيطها اليمني آنذاك كان منقسماً في جنوبه الواقع تحت الحماية الأجنبية، وموحّداً في شماله تحت دولة مستقلة ذات نظام سلالي، وهو اليوم كذلك منقسم في الجنوب ما بين «نخب وأحزمة وفصائل»، وخاضع تحت حماية دولية، بينما الشمال محكوم من قبل جماعة سياسية ذات طبيعة سلالية.
وكانت حضرموت آنذاك إقليماً واحداً، وهو منقسم بين دولتين أو سلطنتين لكل منهما حاكمه وقواته العسكرية الخاصة، وطبيعته الإدارية المستقلة، وحضرموت اليوم أيضاً تحمل صفة إقليم لكن بحدود أوسع، وهي كمحافظة بحدودها السابقة (تقريباً)، منقسمة كذلك بين عاصمتين إداريتين، ومنطقتين عسكريتين.
وكما كانت حضرموت خاضعة للحماية البريطانية التي أنشأت الجيش الحضرمي البدوي أسهمت في تأسيسه دولة عربية هي الأردن، هي اليوم أيضاً خاضعة للحماية الدولية، أسهمت في تشكيل جيش محلي يحمل اسم النخبة الحضرمية كذلك بإشراف عربي ممثلاً في دولة الإمارات المتحدة.
وربما كان الفارق بين الأمس واليوم هو نوع العنصر القبيلي الحضرمي الأكثر حضوراً في المشهد السياسي، وكان متمثلاً آنذاك في يافع حيث كان القعطة هم حكام السلطنة التي هيمنت على ساحل حضرموت وجزء من واديها، بينما كان الحموم يعدون المناوئ الأول لذلك الحكم وحاميه البريطاني على السواء، بينما نجد اليوم أن العنصر الحمومي هو المتصدر في المشهد السياسي، وتلك الأيام نداولها بين الناس.
وكما تقلبت الأحوال بحضرموت من عام 1918 حتى عام 2018 مع تعاقب الأجيال وتغاير المناخات الإقليمية والدولية، فإنها اليوم تبدو كذلك تمشي مستسلمة مع ما يهيط بها من رمال متحركة لتلك المتغيرات، في ظل غياب أي رؤية واضحة وشاملة وصادقة لنخبها السياسية والثقافية، تماماً كما كانوا بالأمس؛ لذا لن تزال آذانهم لسواهم صاغية، وسينتهون ببلدهم إلى ما انتهوا إليه طواعية، والعقبى لمئة سنة آتية.
التعليقات