تتسابق القوى الجنوبية مع كل بوادر فوضى في الجنوب إلى إصدار بيانات تصبٌ الزيت على النار، وكأن هذا الجنوب لا يعني لتلك القوى شيئاً، سوى غنيمة يجب الاستحواذ عليها أو كرسي حكم يجب الوصول إليه، ولو على أشلاء الأبرياء، فلم يحدث أن تعرض الجنوب لأي هزة سواء كانت اقتصادية أو سياسية أو عسكرية، ورأينا صوتاً جنوبياً يدعي لإعمال العقل إلا من رحم الله، بل أننا نرى أصواتاً تدعو إلى المزيد من التوتر والمزيد من التشدد!
منذ أن كُتبت النكسة على الجنوب في العام 1990 على يد المتطرفين ورعاة التشّدد في «الحزب الإشتراكي اليمني» إلى يومنا هذا، ونحن كشعب جنوبي نسافر من عداء إلى عداء، ومن شقاء إلى شقاء، لم نعرف محطة تدعونا إلى المحبة والتسامح، ولم نصل إلى ما يصلٌ إليه أقراننا بعد كل جهد وعناء.
اليوم، بعد مضي أكثر من 27 عاماً على نكسة 22 مايو 1990، ما زال الجنوب يدفع أثماناً باهضة لدعوات التحريض على العداء، في خطاب من يطلقون على أنفسهم النخب الجنوبية.
ويظن البعض الجنوبي بهذا الخطاب أنه يخدم الجنوب، وهو يحوّل هذا الجنوب إلى ساحة للصراعات الداخلية والإقليمية، وتحت راية تحرير هذا الجنوب ذاق أبناءه المر، فالمعركة التي كان يفترض بكل المقاييس السياسية والعسكرية أن تندلع في عمران، يوم تم ضرب اللواء الثالث مدرع هناك، أو في ذمار يوم تم ضرب لواء الشهيد باصهيب، تأجلت على مقياس محبة الجنوبيين للجنوب، وتم نقل أحداثها إلى عدن وبواسطة مجموعة من جنود «الأمن المركزي»، التي كانت وراء الدعوة لاجتياح عدن والجنوب في العام 1994.
واليوم، ووفقاً لمعايير حب البعض الجنوبي للجنوب، يحاول هذا البعض تخطي الواقع الذي يقول إن الجنوب قد تحررت محافظاته وفي المقدمة منها العاصمة عدن، ويصر هذا البعض على إشعال نيران الحرب في عدن والمحافظات المحررة، على الرغم من أن رياح الحرب قد اتجهت شمالاً منذ مارس 2015.
الجنوب قتيل حب أبنائه الذين يرفضون اليوم أن يستتب الأمن فيه، ويرفضون أن تعود الحياة إليه ويصرون على إبقائه رهينة للمساومات السياسية المحلية والإقليمية، ويعملون على تشويه معالمه التاريخية والعمرانية، وينشرون في زواياه ثقافة السلب والنهب واحتلال مقرات ومؤسسات الدولة، وإشاعة الفوضى فيه والدعوة لاستمرار معاناة البسطاء من أبنائه!
تعددت أسباب قتل الجنوب، فالبعض من محبيه يغتالونه صباحاً ومساءً تحت راية الدفاع عنه، والبعض يغتالونه تحت راية الثورة لتحريره، والبعض من محبيه يغتالونه بحجة «استعادة الدولة»، والبعض بحجة «الجنوب العربي»، والبعض من محبيه يغتالونه في معركة التنافس بينهم حول من سيستعبده بعد عتقه من عبودية سيده الحالي!
لك الله يا جنوبنا الجريح، كلما نظرت حولك لا ترى إلاّ مشارط تحتل كفوف الراقصين حولك، وكلما أحسنت الظن بهم بأنهم يريدون فك وثاق أسرك، أساؤوا لأنفسهم وخيبوا ظنك، وغرسوا مشارطهم في جسدك، وهم يبذلون كل جهدهم أن لا يجرحوا القيود التي تشد وثاقك!
التعليقات