بعد أيام قليلة، يحل عيد الأضحى؛ هذا هو العيد الثامن من أعيادنا الدينية منذ بداية الحرب الشاملة. ثمانية أعياد تعاقبت في مواعيدها القمرية بانتظام، ومازال اليمنيون يتمنون في تهانيهم العيدية، أن يأتي العيد القادم وقد توقفت الحرب وعمّ السلام اليمن وسائر البلدان العربية والإسلامية. حتى زعماء الدول العربية والإسلامية يتمنون في تهانيهم المتبادلة بهذه المناسبة الجامعة، مزيداً من الرخاء والأمن والاستقرار لحكوماتهم وشعوبهم، ودائماً الحكومات مقدّمة على الشعوب في كل شيء.
في تلك الصّيغ الرسمية الجامدة، يصعب تذكّر أن أحداً من الزعماء المسلمين تمنى أن يعمّ الرخاء والاستقرار كل بلدان العالم. لأنه عيد يخص المسلمين، فليشمل الله برعايته البلدان الإسلامية فقط، مع أن كل بلدان العالم تقريباً، لا تخلو من جاليات للمسلمين. ومن المستبعد أن أحد أولئك الزعماء والقادة، سبق أن ربط بين هذه الدعوات والأمنيات، وبين الفوضى والحروب واللا استقرار، التي تعيشها الأمتين العربية والإسلامية منذ سبع سنوات على الأقل. أمّا الشعوب، فلم يعد لديها بالاً لربط الحروب والفوضى بشيء آخر غير نزيف الدم وخراب الديار. وعندما يأتي العيد مرتين في العام، ينشغلون بتوفير متطلبات أطفالهم للعيد؛ كسوة جديدة، حلوى، عيديات أو «عَسَب» للنساء والأطفال، وأضحيات.
جميعنا يعرف ما تتطلبه الأعياد، وكيف تصفّر ميزانيات العائلات. وما أن ينقضي العيد حتى يبدأ التفكير بالنفقات الإجمالية القاصمة، بما فيها من ديون ومدخرات كانت غالبية الأُسَر اليمنية عادة ما تخصصها للأيام السوداء؛ مثلاً حين يستنفد الشتاء مخزونها من الطعام، أو لنوبات المرض الطارئة، لنفقات التعليم... وما إلى ذلك من احتياجاتهم التي يعرفون أن أحداً لن يساندهم في تحمّلها.
لقد عوّدتهم الحكومات المتعاقبة على تحمّل كل نفقات حياتهم وموتهم، كما عوّدتهم على عدم إخبارهم بأية معلومات عن السّلع التي تدعمها لتصلهم بسعر معقول. لم تعتد الحكومات اليمنية مخاطبة الشعب، بلغة يفهمها، بشأن العوامل الخارجية لتدهور الاقتصاد والعملة والوطنية وعدم ثبات أسعار السّلع، خاصة الأساسية منها. وخطوة بعد أخرى نحو الهاوية، اندلعت حرب شاملة جلبت المحيط الإقليمي والدولي للاقتتال داخل البلاد وبأبناء البلاد. البلاد التي كانت دماء الأضاحي تسيل في شوارعها مرة في السنة، صارت بحيرة من دماء سكانها التي أهدرتها حرب عبثية، ومن عرقهم الذي يهدره الأنهيار المتسارع لاقتصادهم وعُملتهم.
هكذا، يحلّ عيد الأضحى هذه المرة أثقل من أي وقت مضى؛ فما تحتاجه أسرة من المال لتغطية نفقات هذا العيد، يكاد يعادل ما أنفقته لنفس الغرض طيلة الثلاث سنوات الماضية. موجة الإنهيار الذي أصاب الريال اليمني مؤخراً، عطّل قدرة الناس على مواجهة نفقات معيشتهم، ناهيك عن متطلبات عيد لم يعد يهتم لأمره سوى الأطفال. أن يستمر الأطفال بالاهتمام بالعيد وانتظار الصباح الذي يلبسون فيه ثيابهم الجديدة، فذلك ليس بالأمر الهيّن، فأطفال اليمن، مثلهم مثل بقية أطفال البلدان التي تشهد حروباً مستمرة، أحوج ما يكونون لفرحة عابرة، فرحة عابرة ينتظرونها مرة أو مرتين في السنة، بدلاً من انتظار الموت المجنّح من بطون الطائرات وقذائف المدفعية والرصاصات المنفلتة.
ليس على الأطفال أن يدفعوا ثمن انهيار العملة الوطنية، وعجز الحكومتين المنقسمتين عن لملمة هذا الذوبان المخزي لقيمة الريال، وندرة الحصول عليه في نفس الوقت. في غمرة هذا الوضع البائس، لا يبدو أن أحداً لديه سعة البال التي تلهمه التفكير بتأثير انهيار العملة على عيدية الأطفال؛ حيرتهم أمام باعة «لجعالة» وقد زاد سعرها عدة أضعاف.
التعليقات