بعدما شق ما يعرف بـ«المجلس الانتقالي الجنوبي» صفوف التيارات السياسية ورجالاتها التي تتنافس على زعامة الحراك الشعبي في المحافظات الشرقية والجنوبية، واختطف بظهوره المفاجئ حضور أولئك الذين في الشارع الجنبي، إذا به هو الزعيم الأوحد بقدرة قادر، والمتقدم لذلك الشارع في مناسباته التي اعتاد إقامتها لسنوات، عبر الاحتشاد الواسع أو ما عرف بالمليونيات.
اليوم يكرر «الإنتقالي» العمل نفسه ويعيد تكرار السيناريو ذاته، لكن في صفوف الجماهير بعدما ملت من هموده الأخير وخذلان حلفائه من الإماراتيين له، وتفرغهم مع قادة «التحالف» من آل سعود في اللعب بمصائر ساكني تلك المحافظات، التي دأبوا على وصفها في إعلامهم وكلامهم من باب الاستخفاف بالمحافظات المحررة، فلا هم حققوا لهم مطالبهم ولا هم أبقوا لهم ما يصون وجوههم من وسائل العيش، لا في أرضهم فحسب بل وفي البلد الذي عصفوا به.
المجلس الذي طال تثاؤبه، كان قد تولى إلى الظل، بعدما عبث بالمشهد السياسي في الجنوب لحين من الزمن، إذ شق الصف السياسي، وهمش قيادات سباقة، وورط قوات جنوبية في حرب خاسرة خارج ميدانها، وأشعل حرباً ضروساً في عدن دونما جدوى محققة، وأسهم بذلك في خفت صوت الحراك وأثقل حركته، ثم أخيراً جعل يتفرج على المواطن وهو يتلوى ألماً من سلطاته المحلية المخذولة من «الشرعية» و«التحالف» على السواء، مكتفين بالفضلات والصدقات دونما إفصاح عن أي رؤية حقيقية نابعة من قلب المأساة.
لقد صبر المواطن الغلبان حيناً من الدهر لم يكن يعبر عن أنينه من ما يعانيه، وصار ينتظر اللقاح الذي ستحمله العاصفة إلى الجنوب، بعدما حررت نصفه من الحوثة ونصفه الآخر من «القاعدة» حسب زعم العقالات التي تقودها، فلما ضاقت به أرضه بما رحبت من عبث صارخ به وبطموحاته وبأرزاقه، وذاق الاستهانة ممن توخى فيه الاستعانة، هنا انتفض في وجه الجميع.
بعدما كان المراقب للمشهد الجنوبي يظن أن الاحتجاجات والعصيانات صارت من الماضي في حاضر أسوأ منه إذا بجذوة الجماهير تشتعل، وإذا بها تغضب وتنفعل، وتعيد مظاهر حراكية كدنا ننساها في مدننا من عدن إلى المكلا وسائر مدن الجنوب، وهنا بعث «الانتقالي» من مرقده من جديد بقدرة القادر نفسه ليقوم بدوره المعلوم، أي شق صف الجماهير واختطاف تحركها المستجد مع الحرص على تحييد «التحالف» ولا سيما الإمارات من الغضبة الشعبية.
يستعمل «الإنتقالي» الحجة نفسها من دون ملالة وهي فزاعة الحوثي، التي استعملها «التحالف» عند انطلاق عملياته العسكرية على اليمن، فالحوثي سيعيد اكتساح المحافظات التي انسحب منها بمجرد انسحاب قوات «التحالف» وهم يدينون أنفسهم وتحالفهم بذلك وهم لا يشعرون؛ لأن معنى ذلك أن تبقى قوات «التحالف» إلى ما شاء الله ما وجد الحوثة في صنعاء، بل ربما ما وجد الشماليون على حدودنا، وكأننا سنهزم من قلة أو هم سينتصرون بكثرتهم، ناسين أن القوات الجنوبية كانت جبارة في حروبها التي شنتها ضد الشمال إبان التشطير، فلماذا بعد التحرير المزعوم لم تقم بإعادة بناء تلك القوة حتى يعتمد ابن الجنوب على قوته في حماية نفسه وإسقاط الفزاعة. تساؤل لا يفكر فيه الانتقاليون.
صرنا نظن أن «المجلس الانتقالي» يرى في «التحالف» العقالي قداسة لا ينبغي أن تمس وطهارة لا يجوز أن تنتهك، فلا يرضى أن توجه لهم كلمة لوم أو عبارة عتاب، فما بالك بعبارات الرفض التي أطلقها مواطنوه أو من يدعي تمثيلهم، وإسقاطهم لرموز الحلفاء من اليافطات العملاقة في الشوارع/ والتي ظلت معلقة فوق رؤوس المواطنين عندما كانت آمالهم بأصحابها معلقة، فلما تبخرت الآمال وزاغت الأبصار صار ما صار، فغضب الانتقاليون لأسيادهم وانحازوا إليهم ضد مواطنيهم.
إن حال الانتقاليين اليوم أشبه بالحال التي انتقدها المفكر عبد الله باذيب في منتصف القرن الماضي، على من كانوا ينعتون أنفسهم بالضباط الأحرار؛ إذ كانوا يستعينون بالمحتل الأجنبي في الجنوب للنكاية بالحاكم المستقل في الشمال، ويستميلون إلى المستعمر الأجنبي على المستبد الوطني، مع فارق ما بين الاحتلالين. فالمستعمر الأوروبي جعل عدن جنة يتحدث العالم عن حداثتها ومكانتها الحيوية آنذاك، أما المحتل الأعرابي فجعلها جحيمًا لا يطاق يستمع العالم لأحداثها وصراعاتها الدموية، فشتان ما بينهما.
فإلى أي وجهة سيمضي «الانتقالي»، وإلى أين يريد أن ينتقل بمصير الجنوب، فلا هو مرحب به في جماهيره، ولا هو حظي بقبول المجتمع الدولي واعترافه بما يطمح إليه من التمثيل الأوحد، ولا هو يعامل باحترام من قبل حلفائه أو يتوهم أنهم حلفاؤهم فلا يسندونه سوى بالكلام المعسول ولا يزودونه إلا بمصروف الجيب، ثم يتخلون عنه ويخذلونه به في المنعطفات السياسية، وهو ينتشي بما يسمعه من القال والقيل، ولا يتخلى عن التقبيل، قبل أن يستقر على سواء السبيل.