الأزمة الشاملة - كما يسميها السياسيون وعلماء الإجتماع - بلغت الذروة في اليمن. فالمتسلطون لم يعد باستطاعتهم تقديم شيء - أي شيء- للناس أو للحياة، ولا يستطيعون المكوث في تَسَيُّدِهم بامتشاق السلاح، وتسعير الحروب، وغرس الفتن، والخوف، واليأس في النفوس.
تحوّل المتسلطون في الشمال والجنوب «الشرعية» و«أنصار الله» إلى كارثة وطنية كبرى تتناسل منها مآسٍ لها أول، وليس لها آخر. فالمجاعة تجتاح الشمال والجنوب، والأوبئة الفتاكة توحد الوطن المجزّأ، والمفككَ، والمنقسم.
الأزمات الشاملة: غياب الغذاء، والماء، والكهرباء، وانقطاع المرتبات، والحصار المحيط باليمن من الداخل والخارج، والتقتيل، وتدمير معالم الحياة والتمدن - قاسم أعظم مشترك بين أطراف الحرب اللذين يتشاركون اقتراف جرائم الحرب و ينغسمون معاً في تفاصيل الجرائم الصغيرة الكبيرة - حسب تقرير لجنة الخبراء التابعة للأمم المتحدة.
قبل بضعة أسابيع من صدور تقرير المجلس الأعلى لحقوق الإنسان عن اليمن أصدرت الباحثة الأدبية والناشطة الحقوقية: بشرى المقطري كتابها «ماذا تركت وراءك؟ أصوات من بلاد الحرب المنسية». مر الكتاب مرور الكرام، ولم يلقَ الاهتمام الواجب من قبل السياسيين والمثقفين والصحافيين وأصحاب الرأي والناشطين، رغم أن الكتاب من الألف إلى الياء رصد وتوثيق دقيق وأمين للجرائم والانتهاكات التي يقترفها أمراء الحرب وتجارها في الشمال والجنوب، وقد توخت الباحثة الموضوعية والأمانة والصدق في ترصد جرائم الحرب الداخلية والخارجية، وتقديم الأدلة من أفواه ضحايا هذه الحروب الإجرامية والعبثية، ونزلت إلى العديد من المناطق والقرى، والتقت كثيراً من الشرائح والفئات والأسر المختلفة التي طالتها الحرب وقتلت أبناءها، ودمرت مساكنها، وأهلكتها بالمجاعة والأوبئة الفتاكة، وانعدام الماء والكهرباء وأبسط مقومات الحياة الآمنة والمستقرة.
لم يكن الاهتمام بالتقرير الأممي- للأسف الشديد - يتركز على الجرائم والآثار التدميرية، وإنما اقتصر على نقد عيوب التقرير، واتهامه بالتحيز واستخدام بعض المسميات والمفردات غير الدقيقة، وغابت القضية الأساس: جرائم الحرب، والانتهاكات.
اليمن كلها أمام مسلسل جرائم تدمر البلد: أرضاً، وشعباً. الحرب الداخلية جريمة آلت إلى جرائم كبرى، وهي مساءلة عن التدخل الأجنبي الاثنا عشري الذي تقوده السعودية والإمارات.
التدخل الأجنبي المقترف الأكبر للجرائم، بحكم قدرته المهلكة، ليس معنياً بعودة «الشرعية»، ولا بمخرجات الحوار، ولا بتنفيذ القرارات الأممية، ولا مبادرة التعاون الخليجي، كما يدعي ويروّج الموالون لـ«الشرعية».
هَمُّ قيادة «التحالف» منصبٌ على استمرار الحرب للمزيد من التفكيك والتمزيق. ما يهم الإمارات الموانئ والجزر، و«تهتم» السعودية بالمهرة وسقطرى ومناطق في حضرموت.
كتبت الصحافية المبدعة الشجاعة والقديرة منى صفوان، مقالاً بعنوان «المهرة خبور خير»: تلاحم قبلي ومقاومة جديدة للنفوذ السعودي. الفاجع أن يزور عبد ربه منصور الرئيس الشرعي المعترف به دولياً المهرة، ويكون في استقباله السفير السعودي، فيعرفه على الحضور من أبناء شعبه!
ليس في مصلحة أطراف الحرب إيقاف الحرب. فإغراق البلد بالحروب هو الوسيلة المثلى لسيطرة مليشيات الأحزاب الكبيرة للاستيلاء على المناطق التي تتواجد فيها، والاستئثار بالنهب والموارد والتفيد. ومصلحة «الشرعية» الاستمرار في كنف الحماية بعد فقدان أي إمكانية للتواجد على الأرض. المستفيد الأكبر مَن يبسط نفوذه على الجزر والموانئ اليمنية، ويمول الحروب.
تحولت اليمن إلى ميادين تقاتل، وتحول اليمنيون إلى أدوات حرب ضداً على شعبهم وبلادهم. لا يستطيع «أنصار الله» الاحتفاظ بمناطق سلطة ميليشياتهم - سلطة الأمر الواقع- إلا بالاستمرار في الحرب، والتصعيد، شأن الأطراف الأخرى. هَمُّ إيران فك الحصار عن نفسها ومفاعلها النووي، ومد نفوذها إلى العراق وسوريا ولبنان واليمن.
الدول الكبرى تهتم بالقضايا الإنسانية تحت ضغط الرأي العام القوي في بلدانها، ووطأة المساءلة. وهذا الاهتمام ليس أبدياً، ونماذج الصومال وأفغانستان وبعض البلدان الإفريقية خير شاهد.
القوى الكبرى لا يهمها كثيراً وقف الحرب في اليمن؛ فهي مهتمة بعدم تهديد مصالحها، وألا تصل الحرب إلى مناطق هذه المصالح، وهي -أيضاً- حريصة على عدم خروج الحرب عن السيطرة.
المسئولية في الحرب والسلم قضية اليمنيين. تتقاسم اليمن: شمالاً، وجنوباً مليشيات مسلحة لا يعلو فوق صوتها أي صوت، وتترافد مبررات وذرائع الحرب، ويزكي بعضها بعضاً.
أهداف أطراف الحرب أصبحت مكشوفة حد الفضيحة، والدفاع عنها لا يمتلك ورقة توت "تستر العورة". الشعب اليمني لم يعد يحتمل كوارث الحرب المؤرقة للضمير الإنساني؛ فالحرب الداخلية والخارجية عدوان على حياة الشعب اليمني وعلى الكرامة الإنسانية.
كل طرف يُحمِّل الطرف الآخر كل جرائم الحرب والمسئولية عنها، وفشل اللقاء والمشاورات في جنيف يُستخدم للتصعيد، وإطالة أمد الحرب، وهو ما يصيب الشعب بالقرف واليأس.
المتقاتلون لا مصلحة لهم في السلام، والحل السياسي السلمي ليس في أجندتهم؛ فالطبخة لم تنضج بعد، وهي طبخة كريهة وقودها الشعب اليمني - كل الشعب اليمني- ووحدته وأمنه وسلامه.
يوماً بعد يوم يتضاءل أمل الشعب في حل قريب يجيء عبر الأمم المتحدة، فجهود المبعوث الأممي والمساعي الخيرة للعديد من الدول تذهب سدى، وينصرف الجهد الدولي للقضايا والملفات الأخرى.
كيمنيين نحن من يعيش جحيم الحرب التي تتوالد منها الجرائم المتناسلة بمتتاليات هندسية. فالحرب لا تلد الحرب فحسب، ولكنها أيضاً تتوالد الجرائم حد الكوارث، واليمن اليوم في التقييم الدولي أسوأ كارثة على وجه الأرض. كيمنيين نحن مسئولون عن التصدي للحرب والوقوف ضد جرائمها ومرتكبيها. لليمن إرث وبيل من الحروب، وغزوات المحتلين عبر تاريخ مديد. فلنواجه الحرب الأهلية الداخلية والخارجية!
كيف نطفي نيران الحرب الداخلية؟ كيف نتصدى للحرب المفروضة على شعبنا؟ تصدي المهرة للوجود السعودي "خبور خير"، وطرد السوقطريين للقوات الإماراتية بداية الرفض، والموقف الوطني يستدعي توحيد النضال الوطني.
المظاهرات في عدن وأحيائها المختلفة وبعض المناطق هي البداية الصائبة. فالحرب الأهلية سبب في الكوارث كلها.
لن يتعافى الوطن، ولن يخرج من جحيم الحرب بدون إطفاء الحرائق في مختلف مناطق اليمن. رفع الصوت عالياً لإدانة الحرب، والدعوة في عموم اليمن للوقوف ضد الحرب وضد التواجد الأجنبي، وممارسة الحق المشروع في الاحتجاج والرفض والإدانة والتعبير عن ذلك بمختلف الصور والأشكال بالاحتجاج المدني السلمي- هو السبيل الوحيد والممكن.
لنرفع الصوت عالياً، ولتتوحد المواقف كلها تحت راية: أوقفوا الحرب!
التعليقات