ثمة نفيران تشهدهما الساحة الوطنية على الضفة المناهضة للعدوان... نفيران نقيضان في وجهتيهما ودوافعهما وغاياتهما: أحدهما صوب متاريس المواجهة الثورية العسكرية والاقتصادية والإعلامية والسياسية، وغيرها من مضامير الاشتباك مع مشروع الحرب الكونية الشاملة على الوجود اليمني الطامح في الانعتاق من هوان حضيض الوصاية.
والآخر نفير صوب الدرجات العُلى في سُلَّم المناصب الحكومية وكراسي الكساح الرسمي ومفاصل الدولة المهلهلة العليلة، نفير وصولي انتهازي قوامه خفيفو وعديمو الوزن المحفزون بشبق إحراق المراحل عبر اكتساء لبوس الانحياز للثورة والوطن، بعدما أيقنوا من صفرية حظوظهم في المزاد المعادي للثورة والوطن... نفير قوامه جوقات قميئة من صغار المضاربين في سوق الشاغر الوطني (المتفضلين) على البلد والشعب بـ(انحيازهم إلى صفه)، كنتيجة لاكتظاظ سوق الارتزاق والعمالة بكبار المضاربين، وعجزهم مع رغبتهم ـ في العثور على حيز شاغر في زحمة «كومبارسات تحالف العدوان الأمريكي السعودي»!
لقد راهنت قوى الوصاية والاستكبار منذ البدء على مصيدة الفراغ الكبير، التي أحدثتها وعملت على تعميقها في المشهد اليمني، بغية الإيقاع بالثورة وإغراقها في مستنقع الحاجة المتفاقمة والملحة إلى الكم على حساب الكيف، وإلى استجداء اللافتات الحزبية والمناطقية على حساب استنهاض وتأطير الطاقات الشعبية الحيوية؛ وإلى (تأليف القلوب) مع العجز عن تقدير الجدوى الآنية والمستقبلية من عدمها وسط دوامة من المتغيرات تلجأُها ـ أي الثورة ـ لمزاولة لعبة تخمين مرهقة فضلاً عن الاستشراف المتئد بعيد النظرة.
وفي خضم غابة من التحديات تلك وجدت الرخويات الطامحة للكسب السهل، بيئة مواتية لطموحها، فاندفعت تتحسس رزقها بالتطفل على المواضع الآيلة للتعاطي مع قرون الاستشعار، بوصفها سواعد ثورية يمكن الركون إليها لجهة حاجات متعددة في نفوس المتعاطين معها.
إن الثورة لا يمكن أن تكتسب وزنها من خفة وزن الثوار الكسبة، كما لا يمكن لها أن تنشأ من عدم الزمان والمكان والمحيط الحيوي الاجتماعي الذي يمثل رحم اندلاعها.
ولكي تتحرك بأهدافها إلى الأمام، فإنها ينبغي أن تشق طريقها في خضم محيط نشأتها الاجتماعي الواسع، بالتكامل مع قواه الحية صاحبة المصلحة في التغيير، كما وبالمراكمة على مجموع القيم الاجتماعية الأصيلة لهذا المحيط في كل مناشط الحياة الإنسانية المادية والفكرية.
الثورة الحقة ليست حالة قطيعة مع سياقها التاريخي الموضوعي، لكنها استمرارية طامحة وخلاقة لهذا السياق الوجودي.
استمرارية مقرونة بالأهلية الذاتية الواعية للقيم البناءة فيه، والتي عملت سلطة الوصاية على تغييبها ووأدها لتطويع المجتمع، كملعب سلبي استهلاكي لقيم ومصالح الوصي الكوني.
لقد طفرت سلطة الوصاية من رحم القطيعة مع مجموع الوجود القيمي الحضاري اليمني العربي والإسلامي الأصيل بل وباستهدافه، لذا فإن الثورة التي أطاحت بهذه السلطة ينبغي أن تصل ما انقطع من هذا الوجود، فتطيح بكل فلسفات الوصاية وقيمها وتختط مسارها الثوري بمنأى عن الاتكاء على ذهنياته.
بغير ذلك تبقى الثورة ـ أي ثورة ـ مجرد طقس تبديل حراسة على بوابة القصر، وتغدو استمراراً للسلطة التي أطاحت بها عوضاً عن أن تردم حالة القطيعة مع وجودها الاجتماعي، وتستنهض أشواق أبنائه لكينونة وازنة قدماً، في خضم صراع كوني يستحيل خوضه اتكاءً على أرصدة زمن الوصاية وذهنياتها.
التعليقات