في ظلّ زحمة الأحداث والقصف والجوع، والإنشغال بهمّ كلّ صغيرة وكبيرة، تضيع منّا فرص التأمّل وادراك ما يحدث وتحليل ما يجري، وهذا ما يطيل أمد الوجع والتخلّف. أجبرنا على ضرورة استعداء طرف، حتى بتنا نرفض فكرة تحقيق السلم معه. ومع أنّنا نردّد دائماً -كعادتنا- أن "لكلّ مشكلة حلّاً"، يظلّ هذا مجرّد "كلام"، وتظلّ حلول كلّ مشكلاتنا محتجزة لا تتجاوز الأحاديث، ما دام "الله لا يغيّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم".
نغالي في عدائنا أكثر من الأعداء أنفسهم! ولا نمانع في المتاجرة بالحقّ لنكسب الجولات! حتى اسم الله لم ننأ به عن صراعاتنا، حتّى باتت أزمتنا اليوم ليست بين حاكم ومحكوم، أو بين يمني وأجنبي، أو حتّى بينه وبين أخيه، بل باتت أزمة اليمني منّا في نفسه، وهو عقاب الله على إسرافنا جميعاً في الخصومة.
ومع عجز قياداتنا عن إخراجنا من هذا الخندق، أصيب الفرد البسيط بأزمة أخرى في ثقته بنفسه وبغيره من البسطاء. الصحافي، الباحث، المفكّر، المثقّف، الأكاديمي، الخبير، وحتّى السياسي، جميعهم يؤثّرون في صنع وإقرار القرار في أيّ دولة محترمة، لكنهّم بسطاء في بلداننا بشكل عام.
العجيب أن من يقودون العملية السياسية أو حياتنا برمتها، ليست لديهم خلافات في المضمون. كلّهم ينادون بدولة القانون والدستور، كلّهم يدعون إلى الحوار والشراكة، وكلّهم يطالبون بإجراء انتخابات عادلة تسلّم السلطة لمن يرتضيه الشعب، أو من تبقّى من الشعب!
من حقّ اليمني ألّا يُلام في ظلّ هذه المفارقات، لكنّه يتحمّل المسؤولية كاملةً حين يخاصم بلا قضية، وحين يرتضي أن يكون هو الأداة في هدّ بناء مجتمعه، وحين يسلّم نفسه وأخاه إلى الشيطان بكراهيته، وحين يلوّث يده هو بالدم ويبقى المتشابهون المتناقضون أصحاب المفارقات طاهرين إلّا من خطابات وكلمات وتصاريح، لكن في الأخير تظلّ أياديهم نظيفة.
معظم الخلافات الكونية تبدأ من أجل قضية، لكن استمرارها يصبح عبثيّاً. نردّد أنّنا نعلم أن قادتنا قادرون على إنهاء خلافاتهم حتّى دون تنازلات، ونفيض بالتحدّث عن ألّا صراع حقيقيّاً يقتضي كلّ هذا القتل والتدمير المنظّم، لكنّنا عمليّاً نسوق أنفسنا سوقاً بمجرّد أن ينادي أحدهم. ولأنّهم متفقّون على غبائنا، فلن يمنعهم حياء أو خجل من إعطاء بعضهم الفرص عياناً، لاستمرار دفعهم بنا نحو الجوع والمرض والدم.
عند النظر إلى دولة صغيرة كسلطنة عمان الخليجية محدودة الدخل، متعدّدة الطوائف، ندرك أن استقرار الدول ومكانتها وحضورها وكرامة شعبها لا يصنعها المال أو الإقتصاد، كما كانت ولاتزال قياداتنا تردّد عند التبرير لكلّ فشل تقع فيه.
السلطنة نموذج يثبث لنا إمكانية تحقيق السلام، وخلق علاقات جيّدة مع الجار والصديق، ووضع حدود للأحقاد، وعوازل دون غزو العدو الذي يضعه زعماؤنا أيضاً مبرّراً لكلّ انفلات أو فوضى.
حين تتحدّث مع مواطن عماني لا تجد لديه نزعة عداء أو شعور بمظلمة، يعاملون الجميع بودّ ظاهر. ببساطة، يخبرونك أنّهم لا يريدون شيئاً من أحد، راضون بما لديهم وإن كانوا مصنّفين في أسفل قائمة دول الخليج اقتصاديّاً. يحترمون قيادتهم التي لا "تشحت" باسم شعبها كي لا ترهنه أو تضعه ضمن خطط طرف ما. ويتساءلون عن أسباب اندلاع الصراعات من أساسها إذا كانت كلّ صراعات الدنيا انتهت باتّفاقات؟!
نعم. ما المانع من إقامة صداقات واعية مع الجميع؟ متى نركّز على المصالح الدائمة في ظلّ عصر يسعى الأذكياء فيه لإقامة اتّحادات على مستوى العالم؟ ما المانع من أن نحظى ببلد يحرص الجميع على أمنه وإستقراره كحرص إيران والسعودية وأمريكا على سلطنة عمان؟ ينقصنا فقط أن يرضى الله علينا، فكما تكونوا يولّى عليكم.