خرجت من المنزل كعادتي قاصداً أحد المقاهي لاستخدام الإنترنت، وشحن أجهزتي المغلقة، بسبب الإنقطاع المتواصل للكهرباء. في الناحية اليمنى من الشارع المظلم الذي يقع فيه منزلي، لمحت أضواء وسمعت صوت موسيقى خافتاً، ربّما هو احتفال مصغّر في النادي الرياضي القريب. دفعني الفضول للذهاب ومعرفة سرّ هذا الإحتفل غير الإعتيادي، كان الناس مجتمعين في الساحة المفتوحة المخصّصة لكرة الطائرة، يستمعون لمقطوعات موسيقية!
تسلّلت إلى خلف المنصّة، حيث يجلس شابّان أحدهما يعزف على الكمان، والآخر على العود، تقف بينهما فتاة جميلة تعزف على الناي، كان الناي في يدها أكثر من آلة موسيقية، كنت أراقبها وهي تتمايل مع الصوت وتنفخ برفق على الناي، بينما تتنقّل أصابعها بإتقان في تلك الثقوب، وكأن هذه الآلة امتداد لما في قلبها من حبّ وفنّ وموسيقى.
في المنصّة زهور بألوان متعدّدة منسّقة بشكل بديع، حتّى أنّني كنت أرى الناس من خلال الزهور... يا الله! ما هذه الليلة الجميلة! ضوء وموسيقى وزهور، إنّها مؤشّرات السلام، ويبدو أن الحرب قد انتهت، وأن مجتمعاً جديداً بدأ.
في الساحة الكثير من المقاعد، عليها مجموعة من الشباب والبنات منصتون إلى الموسيقى، وكأنّهم يسمعون كلمات بليغة لا تقال بلغة الأرض، ولا يتفّوه بها البشر، ولكنّها تسمع من القلب وتفهمها الروح. لمحت مقعداً فارغاً في المقدّمة، فسارعت للجلوس عليه.
يا الله! لا زلت غير مصدّق بأن هذه الأشياء الجميلة تحدث قرب منزلي. فكم أعشق سماع هذه الألحان، فالموسيقى من محفّزات الحياة، ومؤشّر من مؤشّرات السلام. لقد مرّ زمن طويل منذ آخر مرة استمعت فيها للموسيقى بهذه اللهفة، وبهذا الهدوء. كنت في بيروت وكان النهار ممطراً، استقلّيت حافلة ركاب متوجّهاً إلى كورنيش المزرعة، من كورنيش عين المريسة، وجلست قرب النافذة أتأمّل البحر. أسرني تناغم جمال المكان، بروعة صوت لارا فابيان المنبعث من سمّاعات الحافلة، صوت ينسكب في الروح ليعطي شعوراً لا يشبهه شيء... إندماجي مع صوت فابيان جعلني أُفوّت مكان نزولي، إلى آخر محطّة للحافلة في سنّ الفيل.
واصلت استماعي لتلك المقطوعات الرائعة، كان عازف العود قد اندمج كليّاً مع عوده، وغاب عنّا، فهو لا يرانا، ولا يأبه لوجودنا. إنّها الموسيقى، الثورة البيضاء، كم نحن بحاجة لهذه الأصوات وقد تآكلت قلوبنا بفعل الإدّعاءات والإفتراءات، وشاخت أرواحنا بسبب الحروب التي أصبحت شغلنا الشاغل، ومن يعتزل الفتن يتّهمه طرفا الصراع بأنّه يعمل لصالح الآخر. حين نسمع الألحان والأصوات الندية، فإنّنا نفتّش فيها عما تكسّر في قلوبنا، وهل السلام شيء آخر غير هذه الأغاني التي نسمعها، بعد أن صمتت في الحقول وداخل البيوت والأماكن العامّة، على وقع صوت المدافع والقذائف وخطب السياسيّين وشيوخ الفتن والمصائب... هنا هنا، يجب أن يتجمّع الناس ليرتقوا، فالتجمّعات السياسية، ما هي إلّا تجمّعات للكذب والنفاق.
كنت أتوق لمعرفة الفريق المنظّم للمهرجان، لأشكره على جهده الذي أعاد إلينا الأمل بالحياة. كيف وقد قلبوا أيّام الحرب إلى أيّام للفرح والمحبّة، وأصوات القصف والمدافع إلى ألحان وترانيم؟ إنّها معركة للفرح، ومعركة للفنّ، معركة موسيقية تشبه الطوفان الذي يجيء ليغسل الأرض من الدنس. توقّف العزف وضجّ الحضور بالتصفيق وعبارات الشكر والإعجاب والثناء، تمنّيت لو أن المكان يتّسع للمزيد من الناس، ولو أن الساحات التي يجتمع فيها الناس لسماع الخطب السياسية الكاذبة، والصرخات المجنونة، مخصّصة للعزف والغناء، تمنّيت لو أن المقاتلين في الجبهات المختلفة يتركون أسلحتهم ليشهدوا هذه المعركة التي ينتصر فيها الجميع على أمراض العصبيّات السياسية والمناطقية والمهذبية.
غرقت في تفكير عميق... آهٍ لو باستطاعتي إقامة هذه الإحتفالات في عموم صنعاء، في عموم الوطن. هذا النوع من الإجتماعات هو معركة الذات الجماعية مع الذات الفردية. فالسعادة الحقيقية جماعية، والسلام الحقيقي شمولي، والحرب إرادة فردية وجشع ورغبة في التسلّط. أشياء السلام ليست مستحيلة، فالسلام لا يكلّفنا شيئاً، ولا يحتاج إلى تمويل، كما أنّه ليس بمِنّة من قويّ نافذ، ولا استكانة لأحد، ولا يُستجدى من أحد، هو إرادة من الداخل، فمتى أردنا السلام حلّ علينا، والسلام يعني وطناً معافى.
قطع التفكير صوت شاب ثلاثيني يغنّي موالاً لوردة الجزائرية: "والله وجيتى علينا يا دنيا... جيتى علينا علينا يا دنيا..."، لمحت إحدى الصديقات تقف على زاوية الساحة قرب المنصّة، لوّحت لها بكفّي، حتّى وقعت عينها عليّ، فأشارت لي بالخروج، إبتعدنا عن مكان الإحتفال قليلاً، بادرتني بالشكر على تلبية الدعوة، فقد أرسلت لي رسالة "sms" تدعوني فيها لحضور المهرجان، أخبرتها أنّني لم أقرأ رسالتها، وأن هاتفي مغلق منذ 3 أيّام، وحضرت الفعّالية مصادفة... ضحكت قائلة: صدفة خير من ألف ميعاد.
شكرتها كثيراً على مجهودها وفريقها العظيم، لما لهذه التجمّعات من أهمية، أخبرتها كم الناس بحاجة إلى هذا الإسترخاء، وهذا الهدوء، في زمن استشرست فيه المصالح، وطغت فيه الكراهية، وحُطّمت قيم الجمال.
أخبرتها أيضاً عن رغبتي بالعمل مع فريقها، من أجل استمرار هذه الفعالياّت، فرحّبت وطلبت منّي إلقاء كلمة ختامية للضيوف، لم أكن مستعدّاً، لكنّي لم أمانع وصعدت إلى المنصّة محيّياً الحضور، وبدأت أن "هذا الإحتفال هو نداء للتغيير، فالوطن ينادينا لنحبّه بشمولية الحب، مع كلّ أشيائه، وكلّ مواطنيه، هذا الإحتفال للسلام، والسلام ليس نزعاً للسلاح، بقدر ما هو انتزاع للكراهية من القلوب، وبهذه الإجتماعات السعيدة تُمحى النزعات الدامية، وحضوركم إلى هذا المكان يعني رغبتكم بأن يعّم السلام الجميع، فيا أهلي وأحبتي، دعوا هذه الأنشطة والمحبّة تذهب بنا إلى حيث ما تريد الحياة، فبهذه الإحتفالات يعود اليمن إلى ذاته، وهذا الفرح لا يعني تجاهلنا لما يحدث من حولنا، وإنّما تعبيراً عمّا نتوق إليه، وهو الردّ المناسب على من يسعى إلى زجّ الجميع في حروبه العبثية، وتحويلنا إلى مجاميع من المسلّحين، هذا الشعب يجب أن يعيش الإيقاع الواحد، واللحن الجميل المتناغم مع كل الناس الطيّبين".
أنهيت كلمتي بـ"السلام عليكم"، وكنت مزهوّاً فرحاً بمساهمتي الطارئة التي لم أحسب حسابها أبداً، خرج الناس من الساحة على صوت النشيد الوطني، فتحت عيني ببطء على صوت النشيد الوطني، لكنّه كان ينبعث من التلفاز! لقد عادت الكهرباء بعد أسبوع كامل من الإنقطاع.