الكثير من شبابنا اليوم صَنعت مفاهيمهم، أو بالأصح صَنعت عقولهم، السياسة، بما تمتلكه من المال ووسائل الإعلام، واستخدامها لأساليب الترغيب والترهيب، وتضاف إلى ذلك قدراتها التراكمية على إثارة العصبيات، وتجييشها للفكر لصالح معادلات تحالفاتها الدولية، وفي ظل الإنتشار الواسع لوسائل التواصل الإجتماعي من «تويتر» و«فيسبوك» و«واتسآب» و«ماسينجر»، وبقية المواقع والمنصات، التي تدعمها تقنيات «الآندرويد» الواسعة الإنتشار.
الحق أن السياسات تقوم على المصالح لا على العقائد، كما تعمّد سياسيونا أن يوهمونا. لذلك، كان على شبابنا أو رعاتهم أن يفرقّوا بين ما هو سياسي وما هو عقدي، حتى لا يتم تسطيح العقيدة والنزول بها إلى درك أسوأ مستنقع، ألا وهو مستنقع السياسة التي سلبتنا كل جميل في حياتنا، بما في ذلك تراثنا وقيمنا وأمننا وعلاقاتنا البينية، بما في ذلك أيضاً نظرتنا إلى بعضنا، لينحدر مستوى الذوق العام، وتتعطل مؤسسات التعليم والثقافة، وتنهار الإقتصاديات، بل وتتعطل غالبية المصالح العامة والخاصة، ويصبح الناس في توحشهم أشبه بالسباع الضارية، وتصبح الأوطان أمامهم جيفاً ليس لهم شاغل إلا النهش في هذه الجيف، بعيداً عن كل القيم والقوانين المعطلة بفعل ثورات «الربيع العربي» وتداعياتها.
هذه الإشكالية صنعت هزة أو صنعت تسونامي ثقافياً وقيمياً عنيفاً في منتهى الخطورة، على كل الصعد المادية والروحية، وفي كافة مناحي الحياة. ربما هوَّن البعض من خطورة هذا التسونامي، ولكن تقليلهم من خطورة ذلك يأتي أحياناً لأسباب سياسية أيضاً، في ما يشبه التبرير والدفاع عن التيارات الدينية التي تورطت حينما كانت أداة لهذه الجائحة العقدية والأخلاقية.
اليوم، بلا شك، برزت في واقعنا المعاش الكثير من السلوكيات المشينة، التي جعلتنا أمة أشبه بما كانت عليه أمة اليهود، عندما كانت في أسوأ مراحل شتاتها وتفرقها، في أزمنتها الغابرة التي وصفتها لنا كتب السير والتراث الإسلامي. هذا الواقع الجديد الذي فرض نفسه بقوة على ثقافتنا وقيمنا، حتماً ستكون له ردود فعل عقدية خطيرة تصنع مستقبلنا العلماني.
لكنها ليست العلمانية الإدارية التي حيل بيننا وبينها لتحقيق العدل والمساواة اللتين كادتا تصبحان مطلباً خرافياً بعد تفاقم الظلم في مجتمعنا، إنما العلمانية الثقافية الشاملة، ذلك المشروع الذي قررته الحضارة الغربية لنا، والذي يأتي اليوم لسد الفراغ الذي بدأ يتركه له الإسلام السياسي المتطرف، الذي استمر في سيطرته على مقدراتنا الإقتصادية والإعلامية والفكرية لقرابة ثلاثة عقود، لينقلنا اليوم، أو بالأصح ليسلم أمرنا لخليفته، العلمانية، بعد أن مهد الطريق لها بتحطيم كل التابوات المضادة، والتي كانت بمثابة جهاز المناعة للجسم الإسلامي، وبعدما أوجد الإسلام السياسي المتطرف كل السبل لأن يتمتع خليفته بمساحات واسعة من دولته الفكرية والجغرافية.