تاه اليمنيون في سؤال الثورة، فهو يثورون على أوضاعهم البائسة بهدف تغييرها سياسياً واجتماعياً وثقافياً، ولكنهم لا يثورون على عوامل إعادة إنتاجها. وفي هذا العام، تحل علينا الذكرى الـ54 لثورة الشعب في الجنوب ضد الإستعمار البريطاني، ولهذا، وبعد مرور أكثر من نصف قرن على الثورة، نضع السؤال الآتي: هل أخفقت الثورة ثقافياً؟ وهو سؤال كبير لا تستطيع مقالة عابرة أن تجيب عنه، لكننا سنحاول تمتينه واستيضاحه على الأقل.
كانت اليمن في أواخر النصف الأول من القرن العشرين ترزح تحت نير الإمامة في الشمال والاستعمار البريطاني في الجنوب، أي إن الجنوب وبالذات عدن كان يخضع لحكم بريطانيا. وقد شهدت البلدان المستعمرة في المنطقة العربية نضالاً اجتماعياً شعبياً عارماً في خمسينيات وستينات القرن الماضي، وكانت منطقة جنوب اليمن أو ما كان يسمى «الجنوب العربي» من بينها. إذ أدى التطور الإقتصادي والسياسي، وتعاظم نشاط الحركة النقابية، والانتفاضات المتعددة المسلحة في ريف الجنوب، والتي بلغت ذروتها في بداية الستينات، والتطورات الإقتصادية والثقافية والاجتماعية عموماً، وانتصار الثورة في الشمال في سبتمبر 1962، وما وفرته من أجواء للقاءات القوى الوطنية من الجنوب والشمال من تنظيمات مختلفة، بحيث أصبح الشمال الجمهوري قاعدة وخلفية للنضال من أجل تحرير الجنوب، كل هذه العوامل الإجتماعية وغيرها أدت إلى قيام ثورة 14 أكتوبر 1963.
ثورة انفجرت - بصورة رسمية حسب إجماع من كتبوا حولها - من حيد (جبل) ردفان، في مواجهة ضارية بين مسلحين من القبائل الجنوبية والقوات البريطانية دامت أربع ساعات من الساعة الثانية عشرة ظهراً حتى الرابعة عصراً، وأسفرت عن تراجع القوات البريطانية وإصابة المناضل غالب بن راجح لبوزة بثلاث شظايا، فظلت جراحه تنزف حتى فارق الحياة.
وفي مساء 14 أكتوبر 1963م، أعلنت الجبهة القومية، في بيان لها، عن معركة ردفان بأنها «انطلاقة لثورة تحرير الجنوب» (الموسوعة اليمنية، ج2، ط2، ص 800 - 801). وقد وقفت بعض الأحزاب السياسية ضد هذا التسرع في إعلان خيار الكفاح المسلح من قبل الجبهة القومية، مثل «حزب الشعب الإشتراكي» الذي حدد موقفه في كتيب بعنوان «هذا هو موقفنا»، جاء فيه: «إن حزب الشعب الإشتراكي، مع إيمانه الكبير بأن جلاء المستعمر من بلادنا واجب مقدس، فهو لا يؤمن بسفك الدماء حيث يمكن حقنها...» (الموسوعة اليمنية، ج2، ط2، ص 801).
وهذا يعني فيما يعنيه أن بذور خلاف على المستويين السياسي والثقافي قد لاحت منذ بداية انطلاقة ثورة 14 أكتوبر، وهي بذور تراكمت وأفضت إلى الإقتتال الأهلي مرتين في عام 1967م، بين الجبهة القومية وجبهة التحرير في عدن. وانعكس هذا الخلاف السياسي بالضرورة على المشاريع الثقافية والرؤى الثورية المتضاربة للأحزاب والتكتلات المشاركة في الثورة، فهذا يمين وذاك يسار وهذا قومي وهذا ماركسي صرف، ولكل منهم نظرته للثورة والدولة، وبالتالي لكل منهم مشروعه الثقافي الذي يقطع أحياناً بصورة كلية مع إرث الجنوب العربي والإسلامي. واتُخذت مواقف ثقافية في بعض الأحيان في غاية التطرف، ليس أقلها توقف جميع الصحف الأهلية التي تصدر أثناء فترة المستعمر، واحتكار صحيفتي «14 أكتوبر» و«الثوري» مساحة الصحافة كاملة في عدن والجنوب. وأصبح للثقافة والفنون دورها ومشروعها ووظيفتها الجماهيرية لتعبئة الشعب باتجاه معين دون غيره، وأي التباس في فكرة ما أو اختلاف في المنهج والتصور مع تلك الآراء الثقافية الجاهزة كان يُعدّ رجعية يجب قمعها دون مراجعة.
وانفرجت الأوضاع قليلاً بعد وحدة فصائل العمل الوطني الرئيسية (الجبهة القومية – واتحاد الشعب – والطليعة الشعبية)، وهي وحدة اندماجية، ولكنها ما فتئت أن احتدمت تناقضاتها مرة أخرى، وأخذت شكلها العسكري كالعادة في 1978م، وتم إقصاء رفاق النضال تحت مسمى اليمين الرجعي، ثم اشتعلت الأرض في عدن في عام 1986، وكانت القشة التي قصمت ظهر البعير، ودفعت بالجنوب وثورته نحو الوحدة مع الشمال على غير هدى (كما ذكر رائي اليمن وشاعرها الكبير، عبد الله البردوني، في محاضرة له في عدن عشية الوحدة).
كل ما ذكرت لا ينفي أن الثورة حققت كثيراً من أهدافها الإجتماعية، ولكنها على المستوى الثقافي، وهو السياج الذي يحمي المنجزات كافة، قد أخفقت كما يبدو لي. فبسبب الخلافات السياسية، لم تستطع القوى الوطنية أن تؤصل لثقافة وطنية جديدة تجاري العصر، وتستلهم الأصول وتنقيها بعيداً عن العصبيات المناطقية والجهوية والحزبية. واليوم، تظهر في سماء 14 أكتوبر مليونيتان أو ثلاث فعاليات مليونية جنوبية للاحتفال بذكرى الثورة. وهو الأمر الذي يؤكد إخفاقنا في الذهاب إلى كلمة سواء حتى في احتفالية ذكرى ثورة 14 أكتوبر.

* أستاذ علم الإجتماع في كلية الآداب - جامعة عدن.