كانت الأمة العربية، واليمن خاصة، على موعد للخلاص من ربقة الاستعمار البريطاني في جنوب اليمن، في الثلاثين من نوفمبر 1967م، بعد كفاح مسلح استمر لسنوات أربع، قدم فيه الشعب شهداء من كل بقاع الأرض اليمنية، شهداء تحت مظلة الوطن الكبير والآية الكريمة «واعتصموا بحبل الله جميعاً ولاتفرقوا» (آل عمران - 103).
واعتبر اليمنيون الثلاثين من نوفمبر علامة فارقة في تاريخ اليمن والمنطقة، وأن هذا الاستقلال سيفضي إلى بلد ذي شأن في المنطقة والعالم العربي برمّته، وأن ثمة مشعلاً للحرية والتنوير سينطلق وفي مجالات متعددة، فثمة «عدن» ستسطع من مشرق الأرض حرة أبية تقود خلفها اليمن حاملة على ظهرها عبء التغيير والتنوير... غير أن كثيراً من هذه الأحلام التي لم تتحقق.
وقد كانت بداية العثرات واستهلالها في الاقتتال الأهلي قبيل الاستقلال، وفي نفس شهر الاستقلال (نوفمبر الميمون) حيث شهدت عدن وبالتحديد مناطق «الشيخ عثمان والمنصورة والقاهرة ودارسعد» اشتباكات عنيفة، بين «الجبهة القومية» و«مناضلي جبهة التحرير»، الذين كانوا جمعيهم في معترك النضال الوطني أخوة ورفاق درب، وسقط العشرات من القتلى، وأعداد من الجرحى في تلك المعارك، التي أضعفت الزخم الوطني، تحت شعار «كل الشعب قومية»، وهمّشت «جبهة التحرير» التي أفضت الحرب إلى أن تغادر قياداتها ومناضلوها إلى تعز وغيرها من المناطق الشمالية، تلبية للنداء الموجّه من زعيم الجبهة السيد عبدالقوي مكاوي، الذي وصفه أحد الشعراء الفلسطينيين الكبار، بأنه قائد الثورة في عدن.
لقد غنّى الشعب استقلاله الميمون وكان من أبرز الأصوات الشعرية في ذلك الزمان شاعر الرومانسية الثورية التربوي والفنان الراحل لطفي جعفر أمان، الذي صدح بقصيدته الشهيرة بمناسبة عيد الاستقلال الأول «المهرجان الأكبر» والتي مطلعها:
المهرجان الأكبر في موطني يزهو به استقلالنا ويكبر لله أكبر أكبر.
ثم أطلق بعدها قصيدته الشهيرة أغنية العيد الأكبر، والمقصود هنا ذكرى يوم الاستقلال: «يا مزهري الحزين، من يرعش الحنين...)، وهي أوبريت غنائي، إلى أن يصل فيها إلى:
لكننا على المدى منذ احتلال أرضنا كنا يدا
يدا تصافح الرفيق في الكفاح لا العدا...
وقطعة الرغيف
والمبدأ الشريف
زادان كانا كافيين للبقاء.
وكأنه في هذه الملحمة كان لطفي، مذكّراً ومحذراً رفاق السلاح ومخاطباً «الأخوة الأعداء»الذين اتّحدوا في النضال وتفرّقوا عند استلام كرسي الحكم، الأمر جعل دولة الاستقلال الجديدة تقع في كثير مما كانوا يسمّونه في تلك المرحلة بـ«المنعطفات التاريخية» تلك المنعطفات التي بددتّ الاستقلال الوطني، وأهرقت على مذبح الصراعات بين اليمين واليسار المزعومين كل التضحيات التي قدمها الشعب من أجل نيل استقلاله.
غير أن نوفمبر الميمون سيظل ذكرى أثيرة ويوماً تاريخياً مشهوداً مهما كانت الملابسات، ومهما كانت الانكسارات والهزائم. وعلى اليمنيين أن يتخذوا من هذا اليوم نبراساً يضيء هذا التيه الذي وصلت إليه البلاد والعباد، وستشرق من تضحيات الشعب وصبره وكدحه شموس الحرية والطمأنينة والسلام لهذا الشعب المعافر الذي يحتفي في هذا الشهر بذكرى استقلاله وتحرره من نير الاستعمار البريطاني، وستظل ذكرى الثلاثين من نوفمبر 1967 تذكر هذا الشعب والعالم بأن اليمن قادرة ولاتزال على أن تخط أروع صفحات التاريخ المعاصر، مستلهمة كل العزم والتصميم من تاريخها المجيد. المجد لليمن المجد لنوفمبر الميمون، شهر النصر العظيم.
إن الاحتفال بنوفمبر في هذا العام يعني أن الشعب قد عقد العزم على أن يستعيد بريق ثورته المنهوبة، وانتصاراته العظيمة، ويجدد العهد والوفاء للتضحيات وللوطن.
*أستاذ علم الاجتماع الثقافي – كلية الآداب – جامعة عدن.