الحكمة يمانية، غير أن هذه الحرب التي طحنت البلاد على مدى السنوات الثلاث الماضية، وطحنت حكمتها، قد أحرقت الأخضر واليابس، وجمدّت الحكمة اليمانية في الذاكرة وأبعدتها عن الصدارة لإنقاد، مايمكن إنقاذه، وجعلتها كالمؤذن في «مالطة» لا يسمعه أحد، لقد حورب التبصر والحكمة في الشأن الوطني وأغلق القائمون على السياسة في البلاد آذانهم وتوجهوا نحو الحرب بشرورها وبهتانها، وربما ليس مهماً هذا التجريف الظاهري الذي نلامسه يومياً، ويدمّر نسيج وطننا وأمتنا؛ ذلك لأنه مظهر مؤقت وطارئ، مظهر مرحلة الحرب وربما ما بعدها في مناطق كثيره. لكن المهم هو ما سيحدث لتراثنا وقيمنا وتعليمنا من تأثيرات سلبية قد لا تزول على المستوى البعيد.
لقد كانت اليمن نموذجاً عربياً في حكمتها وعلى المستوى القيمي، ومصدر فخر لنفسها ولجيرانها، ولهذا فإن هذا المدّ الانقراضي للقيم والسلوكيات الإنسانية والوطنية وتراث الحكمة والتسامح في هذا البلد يبدو كأنما هو نبتة شيطانية لم يعهدها الناس، ويخيفهم كثيراً لأنه يسعي إلى التحوّل من مظهر شاذ وغريب إلى عادات وسلوكيات سائدة بين الناس في تعاملهم تجاه القضايا الوطنية والإنسانية وتجاه غيرهم وحتى تجاه أنفسهم.
يمكن أن نقول إنها حالة طارئة من باب التفاؤل، لكننا نرى بأم أعيننا أن ما يجري من تجريف وفقد للقيم إنما يستهدف الموارد الرئسية لصناعة الإنسان، إنه يستهدف الأسرة والمدرسة والمسجد والقضاء إلخ، يستهدف الضمير يستهدف التنمية وصناعة الإنسان، والأنكى من ذلك على النفس أن هذا التجريف القيمي للموارد يتم مع ادّعاء الحكمة وتقوى الله، إنه البهتان والتزييف والكذب أعمدة حياتنا القيمية اليوم.
فلنأخذ على سبيل المثال «ظاهرة التطرّف» كانحراف عن القيم والأخلاق السوية، أو كسلوك بديل عن العدل والتسامح والحق– تلك القيم التي تم تجريفها من حياتنا- أليس من أهم أسبابها التربية والتكوين ومؤسساتهما؟
لأن التطرّف ليس سبباً للفوضى الإرهاب وإراقة الدماء وعدم إحترام القانون والنظام فقط، والابتعاد عن جادة الصواب، بل هو نتيجة أيضاً، وحسب قوانين الجدل فإن النتيجة يمكن أن تكون سبباً في نتيجة أخرى، ولهذا فإنه من المنطقي تماماً أن ننظر إلى التطرّف باعتباره سبباً ونتيجة في الوقت ذاته.
والتطرّف كظاهرة تعمّ مجتمعاتنا العربية اليوم، سلوك قيمي منحرف تتم صناعته في مؤسسات التنشئة والتكوين، ابتداء بالأسرة وصولاً إلى المسجد والمدرسة والجامعة والحزب إلخ. وعلى المجتمع أن ينتظر النتائج، والتجريف الحقيقي يتم في الموارد التي تنتج سلامة السلوك وتصنع الإنسان قيميا، ولهذا فإننا لا بد أن نتوجه في حربنا لوقف هذا التجريف واستعادة العافية القيمية التي تصون المجتمع وتحميه، إنما إلى تنقية هذه المؤسسات مما علق بها من عطب بسبب الإهمال أو التقصد لكي تكف عن دورها.
فلنأخذ على سبيل المدرسسة كمؤسسة تربوية، هل ننتظر منها أن توقف هذا التجريف القيَمي وتستعيد ما فقدناه من قيَم سوية؟ هل تستطيع المدرسة اليمنية وهي على هذا الحال أن تورث للأجيال القادمة من الأخلاق والقيَم ما يبني المجتمع ويحميه ويصونه وينمّيه؟
ومن أجل تعزيز الدور المجتمعي لمكافحة التطرّف لا بد أن تنهض قلاع التربية والتنشئة بدورها انطلاقاً من تراث الأمة ومن تراث الإنسانية الإيجابي بعامة، مركّزة على تنقية مؤسسات التربية والتكوين مما علق بها من خراب وعطب. وإعادة النظر في وثائق المناهج الدراسية ومفردات الكتب المدرسية، وإعادة تكوين المعلم كجسر عبور رئيس بين حقيبة القيم الثقافية وضمائر المتعلمين، بهدف اجتثاث بذور التطرّف لامكافحة الظاهر من الشجرة فقط.
وهي أمور أكدتها كثير من المؤتمرات التربوية والاجتماعات الوزارية العربية غير أنها لم تأخذها إلى الممارسة.
تلك هي المحكات والأسئلة الراهنة التي يجب أن تضطلع بها النخب الثقافية وعلماء الدين وأولياء الأمور والمجتمع برمّته قبل فوات الأوان، وقبل أن يبلغ تجريف القيَم نقطة اللاعودة، ونتحوّل إلى مجتمع يحارب بعضه بعضاً إلى يوم الدين.
* أستاذ علم الاجتماع في كلية الآداب – جامعة عدن.