علي مهدي الشنواح، واحد من شعراء العصر الثوري في اليمن، توفي في العام 1984 صدرت له خمسة دواوين شعرية: «اﻷقنان والعواصف، الأموات يتكلمون، أوراق أبجدية الحب، سمر على منارة نبهان، لحن الحب والبنادق» خلال السبعينيات، عدا اﻷخير نشر قبل وفاته بنحو عام.
وقد ارتبط اسم الشنواح بالذاكرة الوطنية في خضم التحولات الكبرى التي شهدتها اليمن مع ميلاد الجمهورية والاستقلال الوطني.
وها نحن بعد نحو نصف قرن وزد عليه قليلاً من ميلاد الجمهورية في الشمال، والاستقلال الوطني من الاستعمار البريطاني في الجنوب، نستعيد بعض هذه الذاكرة بخطابها ومفرداتها، وربما تثار معها تساؤلات عن المنطلق والمآل.. وأيا كانت الإجابات اليوم ستبقى هذه الرموز الشعرية جزءًا من ذاكرتنا الوطنية والثقافية.
للشنواح عندي ذكرى خاصة، فحين أتذكر شاعر الجياع علي مهدي الشنواح، يخطر ببالي شاعر الرفض المصري أمل دنقل، أجد الشبه بينهما في صدق المعاناة، وفي نبرات الخطاب الشعري، مع الفارق في التجربتين الشعريتين: تجربة شاعر الجياع، وتجربة شاعر الرفص.
ودائماً تستوقفني مقاطع من شعر دنقل، الحافلة بالمفارقات الساخرة التي تدين عبثية الواقع، وأخرى من شعر الشنواح، مثل هذا المقطع من ديوانه: «اﻷموات يتكلمون»:
«أنا ما نمت يوماً في قصور السادة العملاء..
ولم ألعق فتات طعامهم كلا..
ولا ولغوا جواسيساً على فكري..
ولا رقصوا على شعري..
ولا ركبوا على ظهري..
ولم أطلب شفاعة حارس اﻷصنام
ولم أركع على أقدامهم يوماً من اﻷيام..».

كان الشنواح من الشعراء الأوفياء لشرف الكلمة مهما اتفقنا أو اختلفنا على اﻷيديولوجيات والرؤى.
وحين نقرأ الشنواح وشعراء تيار العصر الثوري في اليمن، الذي امتد ألقهم وهتافهم الشعري والنضالي إلى نهاية السبعينيات، من المنصف أن يقرأ في ظل الوعي بشواغل الخطاب الشعري ونبراته الثورية، التي فرضت على ذلك الجيل الشعري الارتباط المباشر بالقضايا الكبرى، واستنفدت في أثناء ذلك طاقاتهم الشعرية والتعبيرية في ظل مرحلة النضال الوطني، بما حملته تلك المرحلة من رؤية رومانسية ثورية حالمة بالتغيير «الجذري»، قد يُنظر إليها اليوم بعد مسافة زمنية من الخيبات والنكوص بشيء من الاستغراب، لكن نضالهم بالشعر آنذاك لم يكن إلا أحد صور النضال المتعددة، والتي تبدأ بالفعل الثوري في حملهم السلاح والدفاع عن الثورة اليمنية ونظامها الجمهوري، وسائر القيم التي كانوا يؤمنون بها، كما فعل الشنواح ورفاقه في الدفاع عن ثورة 26 سبتمبر ومدينة صنعاء في أثناء حصار السبعين يومًا الذي تعرضت له، وصراعهم السيزيفي مع «الامبريالية والرجعية»، وتبدأ كذلك باستلهامهم لتجارب الشعراء والمناضلين العالميين الثوريين ومواقفهم، وهنا ربما تبرر تلك النبرات الثورية العالية في قصائد الشنواح؛ لأنها تحمل بعض ذلك الغبار من يوميات ميادين النضال الوطني:
«يا جياع الأرض ردّوا حقكم من سارقيه
خبزكم لا زال في صحن الملاعين عجينة
كم قرونًا نزعوه، فانزعوه اليوم حينة
أيها الثكلى الحزينة
يا فقيرًا وسط أكواخ حزينة
يا فقيرًا في المدينة.. أنت ربّان السفينة
يا جياع الأرض ردّوا حقكم من ناهبيه..».

بهذا المستوى من اللغة ظل الشنواح يهتف في ساحات التثوير ضد الجهل والاستبداد، وهو يخاطب الجماهير الجائعة بصياغات شعرية مباشرة تصل إلى الآذان والعقول بدون تعقيدات في الألفاظ والصور أو التركيب؛ لأنه يعنى بخطاب ثوري قبل الاعتناء بخطاب شعري يعمل على تقنياته.
بعد سنوات طويلة من النضال والكلمات الثورية يوشك أن يقدم شاعر الجياع اعتذاراً استباقياً، ولعله وصية من استشعر اقتراب الأجل:
«إن أكن أخطأت فالذنب لنفسي
إن يكن صوتي طنينًا وهشارًا
إن يكن لحن سواد
فأنا بعض الرماد
صوت مقبور قديم، نفض القبر وعاد».
لكن اعتذر شاعر الجياع اليوم أو كلماته اﻷخيرة ستقرأ تحت دخان «الرجعية» التي أعادت إنتاج خطاباتها، وتقرأ كتميمة فاقدة للصلاحية أمام أفواه الجياع ممن زاد جوعهم، واللصوص الذين تضاعفت شراهتهم.. فأي ذاكرة ستدون مأساتنا الجماعية الممتدة ﻷكثر من نصف قرن!!