لم يكن يتوقع الناشر اليمني عموماً والحضرمي خصوصاً، أن الأوضاع ستؤول إلى ما آلت إليه من شظف وعناء وتعب، ولم يكن يتخيل أن يتوقف عمله كلياً، أو أنه سيصبح عاطلاً عن العمل فجأة ذات يوم... لكنها الحرب. فالحرب قد أوقفت عجلة الحياة تماماً، وتوقفت معظم المحلات التجارية وأفلس تجار وانهارت أسواق، وهبطت العملة المحلية إلى أدنى مستوياتها أمام العملات الأجنبية، وصارت الثقافة في حكم الثانوي بعد أن أصبح الناس يهتمون بالأكثر أهمية.
وفي حضرموت، التي وقعت في العام 2015 تحت قسوة ووطأة حكم «تنظيم القاعدة»، انهارت الحياة ونُهبت المؤسسات الثقافية والعلمية والمكتبات، ودُمِّر مقر الإذاعة وأُتلف الأرشيف، ثم تداعت الأمور بعد طرد هذا التنظيم منها، وتضاعفت حدة الأوضاع نتيجة لظروف الحرب التي يمر بها البلد، وتأثر المشهد الثقافي وما يزال، وكذلك الناشر وعملية النشر، فقد توقف عمل بعض الناشرين جزئياً، وتوقف عمل البعض الآخر كلياً، وأصبحوا جميعاً تحت خط الإفلاس.
انهيار تام
«في السنوات الأربع الماضية، توقف النشر في الدار وتوقفت المجلة التابعة لها كلياً» بنبرة ملؤها الأسى، يقول سالم عبد الله بن سلمان، مدير «دار حضرموت للدراسات والنشر». وهي نبرة توحي بأن الرجل لم يكن يتوقع ذلك، ولم يكن في حسبانه على الإطلاق هذا المآل، فتجارة الكتاب كما يقول، «كسدت تماماً»، و«أصبح الناس جميعاً يسعون وراء لقمة العيش»، ولم يعد الأستاذ الجامعي، يولي عملية التأليف أهمية، كما لم يعد «يؤلف ولا ينشر أبحاثاً»، فالحرب قد تركت أثرها على زوايا الحياة العامة، وهشّمَتْ ملامح المشهد الثقافي، وصارت «الحركة الثقافية باهتة إلى أبعد ما نتصور، لا توجد صحف ولا مجلات والحراك الثقافي منعدم»، ويشير ابن سلمان، إلى أن «عملية الركود هذه، لم تكن نتيجة لعوامل محلية فحسب، بل إن الإقصاء قد مورس من دول الجوار أيضاً»، إذ ترفض هذه الدول (كما يؤكد الناشرون اليمنيون دوماً) طلبات المشاركة المقدمة من قبل الناشرين اليمنيين في معارض الكتاب لأسباب مجهولة، بل إن معظم هذه الدول، تمارس التمييز ضد الناشر اليمني، فلا يُمنح فيزا ولا قبولاً للمشاركة، ويضيف ابن سلمان «تم إقصاؤنا من المشاركات في معارض الكتاب خارج الوطن، وقد سُمِحَ لنا هذه السنة بالمشاركة في معرض جدة، لكن التكاليف باهظة جداً».
تمييز وإهمال حكومي
هذا التمييز الذي تمارسه دول الجوار دوماً ضد دور النشر والمثقف اليمني، ليس حكراً على تلك الدول، بل تمارسه وزارة الثقافة اليمنية التابعة لـ«الشرعية»، ضد دور النشر والمثقفين الواقعين في مناطق سيطرتهم أو خارج تلك المناطق، ويُرْجِعُ ابن سلمان ذلك الإهمال والتمييز المتعمدين من قبل الجهات الحكومية اليمنية، وعلى رأسها وزارة الثقافة، إلى «النظرة الدونية تجاه الناشر المحلي، ودور النشر الوطنية»، وهذه النظرة الدونية التي أشار إليها ابن سلمان، هي نظرة يتعرض لها الناشر اليمني دوماً من قبل هذه الوزارة، التي تتعمد توقيع عقود نشر مع دور نشر خارجية، من دون إخضاع المسألة للمناقصات والمنافسة وإشراك الناشرين من داخل اليمن بالتساوي في هذه العملية، فالمسألة تخضع كلياً للمحسوبية، وليس لأمور خالصة لوجه الثقافة، وإلا فما معنى أن يُقصى ناشرون في حضرموت أو صنعاء أو عدن، ويتم منح ناشرين خارج اليمن الدعم الكامل لطباعة عناوين وبكلفة باهظة تفوق الكلفة الحقيقية؟
إعاقات وزارية
ويؤكد ابن سلمان وجود معيقات جمة تقف أمام الناشرين، وتعيق مهامهم، وتأتي الوزارة على رأس تلك المعيقات، فهي «لا تهتم بالناشرين جملة وتفصيلاً، ولا تقدم لهم أبسط ما ينبغي عليها أن تقدمه لهم، كالرقم الدولي وحماية حقوقهم من القراصنة والتزوير وانتهاك الحقوق، كما هو معمول به خارج اليمن»، وهو ما يؤكده عبدالله الجعيدي، رئيس «مركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر»، من «أن وزارة الثقافة ومكاتبها في المحافظات، لا تولي النشر أي أهمية، والكل يشتكي شحّ الموارد»، وعلى الرغم من أن وزارة الثقافة كانت قد أعلنت الشروع في نشر 100 عنوان بالتعاون مع دار نشر خارج اليمن، فإنه يؤكد عدم علمهم بـ«توقيع عقد نشر مع ناشرين خارج اليمن»، ويطالب بضرورة «الاهتمام بدور النشر اليمنية وبالمؤلفات الوطنية، ونشر المتميز منها».
المآلات والأسباب
و«دار حضرموت» و«مركز حضرموت»، عينات تعكس مدى ما يتعرض له الناشر في اليمن من إهمال وإقصاء، وما تمارسه ضدهم وزارة الثقافة في حكومة «بن دغر»، من تمييز وتهميش، كما أن حال هاتين الدارين، توضح السبب الجوهري وراء اختفاء الناشرين وانقراض بعضهم، كما أن ما وصل إليه بعض الناشرين من مشقة، يؤكد مدى قسوة الحرب وأثرها عليهم، بالإضافة إلى الإهمال الواسع والإقصاء المتعمد الذي يتعرضون له من قبل وزارة الثقافة، التي لا تهتم بالواقع الثقافي، كما يؤكد كلفة نتائج الحرب، ليس على الناشر فحسب، بل على المشهد الثقافي على المدى البعيد.
التعليقات