قال محمود درويش، في أعظم تجليات الكلمة لديه: «حينما تفكّكون المستوطنات سأفكّك القصيدة»، جاء ذلك رداً على النقّاد الصهاينة، حينما كانوا يرون بأن لكلماته وقعاً أقوى من إيقاعات البندقية. وفي مناسبة أخرى، قال درويش: «كلماتي أقوى من بندقية ياسر عرفات». فبرغم معرفته واعتزازه بعرفات وبدوره في القضية الفلسطينة، فإنه قال ما قال، ولم يكن في ما قاله مخطئاً، حيث إن البندقية تصرخ وتصمت، لكن الكلمة تظل على الدوام مدوّية. الرصاصة تبرد في نهاية المطاف، فيما الكلمة تولد حارّة وتستمر بنفس حرارتها وأحياناً ترتفع. قد يموت القنّاص، بينما لا تموت الكلمة بموت الشاعر. هذه سنن الكون ونواميس الحياة.

وفي مقاربة لذلك، نجد، أيضاً، أن الكلمة اليمنية، أقوى وأطول عمراً من المقاتل اليمني ومن رصاصته. أقوى من السياسي والثائر وصخبهما. كثير من القادة والزعماء ماتوا وبقيت مآثرهم، بينما العديد من الشعراء والأدباء ماتوا وبقيت مآثرهم وكلماتهم أيضاً، وهذا هو الفرق.

تمر علينا هذه الأيام، الذكرى الثانية لوفاة الشاعر والأديب والمؤرخ مطهر الإرياني، وفي كل يوم يمر، يزداد هذا الرجل حياة. يكثر قرّاء قصائده. تتسع رقعة المعرفة به والتعرّف إليه. وتتعاظم أصوات محبيه. فالشاعر يولد يوم مماته، ويستمر في الحياة طالما وكلماته حيّة.

جميعنا نتذكر ذلك اليوم الذي أغمض فيه الإرياني عينيه ونام، كيف أحدث هزة لم تحدث ولم تتكرر. ذلك أن الفراغ الكبير الذي تركه، عايشناه ولا زلنا نعيشه، ما جعلنا نذهب للتنقيب بين ثنايا كلماته، ونتمسك أكثر بتلابيب قصائده، مؤمنين من خلال ذلك، بأنها ستستفز البندقة الصامتة، ستستنهض الجندي الخمول، وتوقد في يميننا شعلة، هذا هو الفرق بين الشاعر وغيره، فما بالنا بمطهر الإرياني، الشاعر والثائر والملحمة.

ولد الإرياني عام 1933م، وبدأ في نظم الشعر بعمر الرابعة عشرة، بمقاييس نقد الشعر كلاماً منظوماً موزوناً مقفى، وسليماً من الناحيتين: اللغوية والعروضية. في تلك المرحلة كانت المدرسة البنيوية هي السائدة حتى ظهرت النظرية التفكيكية على يد الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا، عام 1967م، فهل كان الإرياني بنيوياً أم تفكيكياً؟

لا شك بأن الإجابة على هذا السؤال تتطلّب بحثاً شاملاً وكاملاً على كل ما جادت به قريحة الإرياني، بدءاً من أول قصيدة حتى آخر قصيدة له، مع مراعات الأسباب والظروف السياسية والاجتماعية والتاريخة المرافقة. ومع ذلك، نفترض أن الإرياني يميل إلى المدرسة التفكيكية، يعزز هذا الافتراض قصيدته الشهيرة «المجد والألم»، حيث أن النص فيها فضاء مفتوح، بعكس البنيوية التي تبحث عن الثابت في النص، كما أن الكاتب في التفكيكية لا يموت، وهو ما نلاحظه فعلاً، سيظل الإرياني حياً طالما هذه القصيدة حية، وستظل هذه القصيدة تتنفس، طالما أن هناك حياة على خريطة اليمن.

هذه القصيدة «المجد والألم» نستطيع أن نقول بأنها سيرورة لا متناهية، عندما نقرأ شيئاً منها نفسّر أشياء، والأشياء تولد نصوصاً أخرى، حيث لا يمكننا أن نأول نصاً معيناً منها بمعزلٍ عن الإطار التاريخي والسياسي والاجتماعي، بل لا بد أن نستدعي العناصر الخارجية له، ونلاحظ ارتباطه بالسلطة وبالايديولوجيا، والتركيز على النفي والسببية بـ«لا» و«كلا»، حيث أن هذه القصيدة متمردة، ثائرة، تدعو للرفض، رفض كل ما يتنافى مع حرّية اليمني وكرامته.

«فككوا المستوطنات كي أفكّك القصيدة»، نعود إلى ما قاله درويش، ونحن نعي بأن المستوطنات قد تتفكك، كما تفككت، على سبيل المثال، مستوطنات الدنمارك في النرويج التي استمرّت مستعمرة أكثر من أربعمئة عام، لكن كتابات إسخيلوس، الذي ولد عام 525 قبل الميلاد، لا تزال باقية ولم تتفكّك، كذلك ستبقى قصائد درويش، حتى وإن قال ذلك على سبيل الاستعراض بقوة قصائدة مقابل هشاشة المستوطنات. كذلك، هي أيضاً، قصيدة «المجد والألم»، وقصائد الإرياني بشكل عام.
التعليقات