يعمد الدكتور سالم عبدالرب السلفي، أستاذ الأدب الحديث في كلية التربية في جامعة عدن، في كتابه الجديد «البنى الأسلوبية في شعر الغربة»، الصادر عن در أمجد للدراسات والنشر، إلى مناقشة تجربة الغربة وبنياتها وجمالياتها في عينة منتقاة من الشعر اليمني.
ويؤكد السلفي أن تجربة الغربة راسخة في الشعر منذ امرئ القيس حتى آخر شاعر في القرن الحادي والعشرين. وقد تأكَّدت هذه التجربة في الشعر الحديث والمعاصر، وبدا أنَّ تعامل الشعراء معها كان ينطلق من وعي بها، مع تفاوت في مستوى ذلك الوعي بين الشعراء.
ووضح في كتبه هذا، أن تجربة الغربة تمتاز بالصدق الذي يعدُّ مقوِّماً أساسيّاً في شعر الغربة، لأن الشاعر حينما يعمد إلى توظيفه، لا يعمد إليه تزلفاً أو ابتغاء مصلحة ما.
وقد حصر الكتاب المادَّة الشعريَّة التي اشتغل عليها بمكان وزمان محدَّدين، فكان المكان اليمن، وكان الزمان القرن العشرين. ثم حدد عشرة شعراء يختلف إنتاجهم شكلاً ورؤية من بين المدونة تلك، وهم: محمَّد محمود الزبيري، ولطفي جعفر أمان، وعلي محمَّد لقمان، وأحمد محمَّد الشامي، ومحمَّد عبده غانم، وعبد العزيز المقالح، ومحمَّد أنعم غالب، وعبد الرحمن إبراهيم، وحسن اللوزي، وإسماعيل الوريث.
ثم اختار من بين إنتاج هؤلاء القصائدَ التي تناولت الغربة بمفهومها العامِّ المادِّيِّ والمعنويّ، وقد جعل العنوانات والإضاءات القبليَّة والبعديَّة للنصِّ معيارين أساسيَّيْن لهذا الاختيار. ومن بين الكمِّ الكبير من قصائد الغربة اصطفينا مائة قصيدة جعلها المادَّة الأساسيَّة للتمثيل والإحصاء، وكان حظُّ كلِّ شاعر منها يتناسب وإنتاجَه الذي تناول الغربة: المقالح (36)، الشاميّ (17)، الزبيريّ (8)، لقمان (8)، غانم (7)، لطفي (6)، عبد الرحمن إبراهيم (6)، محمَّد أنعم غالب (5)، الوريث (4)، اللوزيّ (3).
وقد انقسم الكتاب إلى تمهيد وثلاثة فصول، تناول في التمهيد مفهوم الغربة وعلاقتها بمفهوم الإغتراب من خلال استعراض ما تناولته الكتب عن هذين المفهومين. وعرَّج على طبيعة العلاقة بين الغربة والشعر، ثمَّ تناول الغربة في الشعر اليمنيِّ من حيث عراقتها وأصالتها وأسبابها.
وفي الفصل الأوَّل درس بنية المعجم، ورصد مفردة الغربة في تشكُّلاتها المختلفة، وعلاقاتها الدلاليَّة المتعدِّدة. وتطرق الفصل الثاني إلى بنية التركيب، راصداً أهمَّ الظواهر التركيبيَّة في نصِّ الغربة، فرأى أنها تتجمَّع في مظاهر تركيبيَّة كبرى، هي التكرار والضمير والتناصّ. واشتغل الفصل الثالث على بنية الصورة، فتوصل إلى مصادرها، ورصد محاورها، وتناول أنماطها، وحصر وظائفها.
وقد توصل الكتاب إلى مجموعة من النتائج من أهمها:
أنَّ الغربة ليست مجرَّد موضوع يتناوله الشعر، بل إنَّها بنية جوهريَّة في النسيج الشعريّ، فالشعر العظيم يبدأ من الغربة وينتهي بالغرابة.
كما توصل إلى أن الدراسات التي تناولت الغربة في الشعر مضمونيًّا هي دراسات عقيمة، وليس لها في النقد الأدبيِّ من حظّ، والأولى لها أن تكون دراسات من نوع آخر. أمَّا الغربة في الشعر فهي تجري فيه مجرى الدم في الجسد؛ إذ هي حاضرة في كلِّ جزء منه، تبثُّ فيه الحياة، وتمنحه التماسك والبقاء، وما إن نفصد عِرْقاً من عروق الشعر حتى تنزف الغربةُ معلنةً حضورها الكلِّيّ.
وتعتبر ميزة هذا الكتاب في تركيزه على البنى الأسلوبية التي تقدم موضوعة الغربة، وتسهم في تشكيلها فنيا، وقد نجحت في ذلك باستخراجها أهم سماتها في النصوص المشتغل عليها.
(العربي)