بمرور كل يوم من عمر الحرب تزداد دائرة الحياة ضيقاً، وتزداد معاناة الناس حدة ويقسو كل شيء أكثر. وكلما ضاقت دوائر الحرب اتسعت آمال الناس في التوق إلى السلام وانتهاء المعاناة، إنهم يبتكرون ما يمكن أن يزرع الابتسامة في شفاههم وما من شأنه أن يزيد من اتساع دائرة الأمل ليتمكنوا من هزيمة الحرب وتبديد شبح المأساة، ومن أجل ذلك يقيمون ورش متعددة لتعليم الناس نظريات الفن والرسم والنحت والموسيقى عموما، لإيمانهم أنها الوسائل الوحيدة التي تستطيع أن تزرع شيئا من التفاؤل والأمل وتسهم في تبديد دوائر الظلام الحالك.
آثار الحرب
كثيراً ما تخلق الحرب نتائج أكثر مأساوية بعدما تتمكن من التوغل إلى كل منزل وتترك على كل نافذة شبحاً للفقد، وعلى كل باب بشراً ينتظرون عودة الضحايا ولكنهم لا يعودون، ولا تتوقف المعاناة عند ذلك فحسب، بل إنها تنعكس سلبا على شتى مجالات الحياة والفن والأدب والفكر، وهو ما تؤكده المدربة فاطمة الكثيري، التي تطوعت لتدريب عدد من الشغوفين بالفن على إتقان الرسم وأبجدياته ونظريته.
تقول الكثيري لـ«العربي»: «بالتأكيد أن الحرب تؤثر على الفن ومخرجاته. لاسيما أن هناك من يستغل الفن للترويج لتوجهاته». وتؤكد أن الإقبال كثير جداً على مثل هذه الدورات برغم المأساة واشتداد دوران رحى الحرب التي لا تتوقف، وتشدد على نجاحها الذي «يثبته القبول الكبير للشباب على مثل هذه الدورات التي تهدف إلى تعزيز الحس الفني ونشر بدائل للشباب، فالمتقدمون 130 والمقبولون منهم 30».
تشيرالكثيري إلى أن المواهب قد فقدوا من يرعاهم أو يهتم بهم في ظل الحرب، لذا حاولت مؤسسة «بيسمنت» أن توفر المكان لتعليم الطلبة، وحاولت المدربة فاطمة الكثيري أن تتطوع لتدريبهم مجانا، وتقول «إن المتدربين بحاجة إلى رعاية في ظل هذه الظروف، ومن واجبنا أن نرعاهم برغم تعب اللحظة وما يرافقها، وتلقائيا سيدرك المتدربون الفارق بين الفن وأثره والحرب وأثرها عليهم وعلى المجتمع».
نعيش الخوف والظلام
المتدربون من شتى فئات المجتمع ومن أعمار متفاوتة ومستويات علمية متعددة، يحدوهم الأمل في إيجاد فرصة تعوض الانكسارات الداخلية التي خلفتها الحرب، تقول ريهام رضوان، وهي طالبة في الأول الثانوي: «مازلت أعيش أيام دراستي إلى الآن، لكن منذ بدأت الحرب على وطننا بدأ التوتر في البلاد، وانعدم الأمان، وكثرت الأزمات ومنها انقطاع التيار الكهربائي الذي يعتبر من أبسط حقوق الإنسان، ولم يعد بحوزتنا سوى الأضواء الخافتة لنمارس واجباتنا والتزاماتنا المدرسية في خوف ورعب من الانفجارات».
ترى ريهام أن ثمة أمل برغم كثافة الحرب والألم والخوف بداخلها وداخل أبناء جيلها وزملائها في المدرسة، فـ«على الرغم من ما مزقته الحرب فينا وفي وطننا يظل هناك أمل في نفوسنا بأن الاطمئنان والسكينة والأمان سيعود، والوطن قبل كل شيء سيعود أفضل من ما كان، وستزهر بلادنا بالأمن والأمان، لأنها بلد الإيمان».
الأحلام ورهانات الحرب
لقد تشظت أحلام التلاميذ والشباب وانكسرت في دواخلهم، ولم يعد أمامهم سوى البحث عن فجوة تعيد إليهم الأمل بواقع قادم قد يكون مختلفا، يقول المتدرب سليمان داوود: «في ظل الظروف التي تمر بها البلاد والوضع الراهن من حرب ومجاعة وأوبئة وما إلى ذلك من خراب، بقيت أحلامنا وطموحاتنا كشباب رهن الحرب والوضع السياسي، لذلك كل شخص لجأ إلى شيء كي ينسى ما حصل معه من مشاكل، وأنا كشاب بحثت عن شيء ينسيني ما مررت به، ولم أجد سوى الفن سواء كان رسما أو موسيقى أو كتابه أو أي شيء فني يخرجني من هذا الوضع المأساوي، وأعتقد أن الرسم يستطيع أن يواجه قبح الحرب».
يدرك سليمان أنه وزملاؤه يقبلون على تعلم فن جديد، وهو ما يجعل المسألة صعبة جداً، لا سيما في ظل ظرف مضطرب وتحت أزيز الطائرات والانفجارات. يقول «إن نظرية الرسم تحتاج إلى عمق كبير لتفسيرها واستيعابها، فنحن الآن نحاول أن نستوعبها بأكبر قدر ممكن، وبفضل من الله ثم رعاية من مؤسسة بيسمنت والأستاذة فاطمة، سوف نستوعب نظريات الفن كلها برغم الحرب، فلكل حرب وجه قبيح وتأثير مميت على كل شيء تمر عليه فما بالك بمستقبلنا ومستوانا أو إمكانياتنا سواء اقتصاديه، نفسيه وغيرها».
روح السلام
ويأتي توجه المتدربين إلى تعلم نظرية الرسم من أجل البحث عن روح السلام المفقود في ظل الحرب، لإحساسهم بالعلاقة الروحية التي تربط الفن والسلام، وتؤكد المتدربة شيماء عقبات أن «العلاقة التي تجمع بين الرسم والحرب هي روح السلام فينا وإيماننا بأحلامنا التي لن تستطيع الحرب هزيمتها. وبالرغم من قلق الحرب وانقطاع الراتب وانعدام أساسيات الحياة، مازلنا نكافح من أجل حضور ورشات الرسم وتنمية موهبتنا، مادام هناك أمل وتفاؤل فلن تستطيع الحرب بأن تقتل أحلامنا وطموحاتنا.
وهو ما يذهب إليه المتدرب محمد سكاريب بقوله: «يستطيع الرسم تغيير معادلات الموت التي من صنع البشر... من المعروف أن للإنسان طموحا يتزايد يوما بعد يوم، فلا يقف طموح الإنسان عند محطة محدده، ونعتبر هذه الدورة هي السكة الحديدية التي تمر عبر المحطات. وكما يقال لنا في الخيال حياة، والتوجه إلى الرسم برغم الظروف التي تمر بها البلاد إنما هو محاوله للعيش في حلم حتى يُبدي نور الصباحِ وجههُ».
أما المتدربة زينب محمد الهيجة، فترى أن «العودة إلى الرسم هي بمثابة إحياء لشيء أهملته وتوقفت عنه بسبب ما خلفته الحرب، والآن عدت لأوقظ روحاً أخرى بداخلي للسبب نفسه»، وتضيف «نجد أن الحرب أثرت بكثير من المواهب وكثير من الفنانين، وبالتالي فإن للفن والرسم أثره في تغيير ملامح الحرب وإرسال رسالة بأن الشباب والمواهب في اليمن لا يقهرها شي، وأن الحرب أشعلت في أرواحهم شعلة الفن»، وتختتم بالقول إن «الحرب هي الشيء الذي لم نستوعبه نحن، لا سيما وأننا وجدنا أنفسنا فجأة بين ركام ودخان حال بيننا وبين مستقبلنا المجهول ومستقبل بلادنا الحبيبة».
التعليقات