قبل نحو مائة عام من اﻵن، كانت مدينة عدن تشهد بدايات ظاهرة أدبية فريدة على مستوى الجزيرة العربية، ظاهرة الأندية والمنتديات الثقافية التي انتشرت في مختلف أحياء عدن في العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي، وهي أهم أحد مؤشرات الوعي الوطني والثقافي والفكري الذي تبلور في حينه، وكانت استجابة لتحولات الوعي المديني الذي تشكل في مهاد اقتصادي واجتماعي مغاير لما كان سائداً في الحقب السابقة من تاريخ المدينة، ولعله بدايات زمن دخول المدينة في حداثة قصيرة، زمن ظهور طبقة من الموظفين والمتعلمين الذين كانوا يحملون أفكاراً تنويرية وهموم وطنية وقومية، على الرغم من وجودهم، آنذاك، في ظلال من الاحتلال البريطاني لمدينة عدن والجنوب، والذي لا يمكن أن ننكر اليوم ونحن قد اجتزنا عتبة قرن جديد من النكوص أن ذلك الاحتلال قد أسهم بطريقة ما في تأسيس حداثة مدنية وإن كانت في خدمة وجوده الاستعماري فانه لم تتح لها المراحل اللاحقة من عمر المدينة أن تكتمل.
وليس الهدف الحديث بشيء من الحنين الرومانسي عن ذلك الزمان الذي كانت تحفه الأندية الأدبية والثقافية والفكرية، كما أنه ليس وقت المقارنات، على الرغم من وجاهة المقارنات بعد مائة عام، غير أن تساؤلات تخطر على البال وتتقافز أمام المشاهد، ربما لا تحتاج في ظل هذا الواقع الملتبس إلى إجابات حاسمة، بقدر حاجتها إلى التأمل في واقع المشهد الثقافي الجديد، بعد مائة عام من تضاعف سكان المدينة، وأعداد من يحملون الشهادات الجامعية والشهادات العليا في مختلف الاختصاصات، من الكتاب والشعراء والقاصين والروائيين والباحثين والغاوين وأمثالهم، مما يجب أن يكون لهم أثرهم البالغ في تشكيل المشهد الثقافي، فهل نحن بحق جزء من حالة النكوص، وهل يمنحنا إلقاء اللائمة على السياسيين، ولعن الظروف بعض الرضا والشعور المخاتل بالراحة، وهل كانت الحفنة القليلة من الرجال من أمثال الأصنج ولقمان والعبادي وأرسلان وغيرهم مما أسسوا النهضة الأدبية والفكرية في عدن في ظروف أفضل مما عليه الآلاف اليوم؟ حيث لا وزارات للثقافة والإعلام، ولا اتحادات أو جمعيات أدبية رسمية تعاضد جهودهم التي أثمرت أُكلا قلما يجود الزمان بمثله؟!
تتداعي الكثير من التساؤلات والمقارنات إلى البال في ظل ظاهرة «المقايل» التي يطلق عليها اسم «المنتديات الثقافية» التي تجتاح زوايا المدينة في السنوات، وهي عبارة عن مقايل لتعاطي القات في غرف معزولة يرتادها الندماء من الكهول والكتاب مما أرهقتهم السنون، يلقون إلى بعضهم هموماً حياتية، ويلوكون القات مع بعض الكلمات في هذا الشأن الثقافي أو ذاك، لكن مع الاحترام الكبير لأصحابها ومرتاديها ليست هذه المنتديات الثقافية التي نريد، ما نأمله ونريد أن تكون أكثر فاعلية ومشاركة من فئات المجتمع بكل شرائحه ومكوناته، بعيداً عن سحابة دخان السجائر، وبخر القات، وإلا فهي مجرد مقايل للقات لا يرجى منها أكثر من ذلك. نريد أن تكون لهذه المدينة أمكنة وقاعات تمارس فيها الأنشطة الثقافية والشبابية. نريد قصوراً للثقافة بمختلف تجهيزاتها، لا مجرد غرف مغلقة على أصحابها لتعاطي القات. يحق لنا التساؤل، هل هذه التي يقال عنها منتديات هي الوجه الآخر للعنة القات التي توشك أن تتحول إلى أوتاد تلصقنا بالقاع، أم هي التعبير السلبي الأمثل لحالة الإحباط والعزلة الذاتية، أم هي المعادل لمجموعة من الأكاذيب التي تحاصرنا من كل الجهات، وهل تحولت مدينة الأندية الثقافية والفكرية التي صنعت الوعي الثقافي والتنويري في العقود الأولى من القرن الماضي إلى مدينة تحيط بها أكذوبة المنتديات الثقافية في فاتحة الألفية الجديدة؟