«يُخيّل لي أني أسقط في بئر عميقة لا بداية لها، ولا يبدو أن هناك نهاية أو مستقراً لهذا السقوط.
أنا هنا، في منطقة منسية بحساب الزمان والمكان والوعي والشعور، منطقة باردة، صامته، ومظلمة».
بهذا السرد الاستهلالي ستنهمر تداعيات الذاكرة في رواية «بين بابين» للكاتب اليمني بدر أحمد، والتي صدرت مؤخرا، وتأخذنا في رحلة في عالمين مثيرين: الحرب والسجن، والكتابة عنهما تثيران شغف القارئ والكاتب معاً، في الرغبة في اكتشاف هاتين التجربتين ومعايشتهما، بالانطلاق من خارج الواقع الحافل بأحداثه وتوتراته والتجارب العامة المروية في الأخبار والمذكرات والوثائق، إلى داخل السرد الروائي الذي يعيد صياغة الواقع في بناء تخييلي، بما يتيح للرواية من القدرة والفاعلية في إدهاشنا في كل مرة حين يحكي عنهما، وتقدم رواية بدر أحمد، هذين العالمين في إيقاعين سرديين مختلفين، درامي سريع متوتر، حافل بالأحداث والشخصيات، وذاتي غنائي يصف الذات وانفعالاتها النفسية والداخلية، ويلجأ إلى اللغة والوصف في إبطاء حركة تنامي الزمن والحدث، الأول تسبق أحداثه دخول الراوي السجن، وربما كانت هي السبب في سجنه، فيه حيوات وذكريات مختلفة تروى في إيقاع سردي درامي متسارع، تعود إلى زمن النضال الفلسطيني المسلح، ومعسكرات التدريب الأممية في سهل البقاع اللبناني في نهاية السبعينيات، وزمن الحرب الأهلية اللبنانية، حيث روائح البارود والانفجارات والدماء والموت، والشجاعات والخيانات والاتهامات والنهايات المأساوية، وكل ما أنتجته «مورفولوجيا» الحرب آنذاك من صراعات، وفي وصف دقيق لتفاصيل من مشاهد الحرب بعبقرية مذهلة في الاعتناء بالتفاصيل والمعلومات التي تروى من خلال عيني صحافي مقاتل متطوع في صفوف إحدى الفصائل الفلسطينية، لا يفصح السرد عن جنسيته للدلالة على جماعية المصير والهوية العربية، والعالم الآخر هو عالم السجن في زنزانة ضيقة برتابته وحدود مساحة المروي الضيقة الخالية من الأحداث مكانا، والتي تنفتح على التخييل وتداعي الذاكرة زمانًا، حين تجد الذات نفسها في عزلة وانقطاع تام عن الحياة، إلا من يد سجان تدفع الطعام والماء من فتحة ضيقة لا تسمح برؤية أكثر من أصابعه، فتلجأ الذات إلى معايشة الماضي واستدعاء أحداثه الخاصة والعامة، تروي لنفسها في أثناء التذكر، وهي إذ تفعل ذلك تعيننا ـ نحن القراء أو المروي عليهم ـ في إعادة بناء بعض أجزاء الحكاية، وربما الاشتراك في ملء الثغرات التي تعمد الراوي أن يتركها أحيانا، وتعمد أحيانا أن يتوجه بالخطاب المباشر إلى المروي عليه من أجل مقاومة وحشة السجن وظلمته، ومن وعي خاص بوظيفته في تلقي الرواية.
يُفهم من «بين بابين» أن الراوي قد تعرض للاختطاف وسجنه في غرفة مظلمة في منطقة معزولة من أي شيء يوحي بوجود حياة ما، أو أصوات من حوله أو شركاء في زنازين مجاورة، لاشيء من ذلك، ولا يدري ولا يخبرنا كيف وصل إليها، ما يدل على أنه لم يمر بتجربة الاعتقال أو الخطوات التي تسبق السجن، كالتحقيق أو المحاكمة، وجد نفسه في وضع السجين الذي يصف مشاعره لحظة التعرف على وضعه الجديد في المكان الموحش، حيث فقد الإحساس بالزمان، وحركة الجسد المحدودة في الزنزانة، ومحاولته تلمس الأشياء من حوله والتعرف عليها في الظلمة، وتخيل الأشياء من حوله ومراقبة حركة الحشرات ومكونات الزنزانة، البحث عن الاتصال بالخارج كالصراخ والإصغاء لالتقاط أية أصوات محتملة تصل إليه من الخارج، ويستدعي تجارب سجناء مشهورين قاوموا فكرة الاستلام للسجن على الرغم من فشلهم، وحين تفشل كل محاولاته في الاتصال بأية حياة حوله يلجأ إلى خيال تعويضي للصور والأشياء على جدران الزنزانة، يرسم وجها على الجدار يطلق عليه اسم «أنس» تنمو صورته في خياله إلى درجة التحدث إليه وصداقته، ثم يذوي في السجن ويستلم لحالات من الهذيان والاقتراب من حافة الجنون، وعندما يكتفي بالاستلام بمراقبة حركة الصراصير والحشرات التي تشاطره التهام الطعام، يهتدي إلى فكرة تقليدها في اكتشاف الفتحات في الجدران، إلى أن يصل إلى اكتشاف مساحة سفلية من الجبس يستطيع النفاذ منها إلى خارج الزنزانة، والتي لم تكن غير غرفة عادية قديمة فوق إحدى التلال.
وعلى الرغم من تشابه «مورفولوجيا» سرد الحياة في السجن التي تجعل من تجارب هذا اللون من السرد تنطوي على عناصر متكررة في كثير من الروايات، استطاع الكاتب أن يقدم مروية في لغة سردية تدهش القارئ في أسلوبها الذي اعتمد على التشويق والمفارقة والسخرية، وعلى الوصف المركب المتناسل الذي لا يكتفي بطبقة واحدة من الصورة في السرد، وإنما تتوالد الصور المرسومة للانفعالات في السجن تعبيرًا عن الحالة النفسية الداخلية للسجين، ما يعمق شعورنا بأثر السجن ووحشته، ويصبح توالد الصور وانهمارها حالة موازية لتداعيات الذاكرة التي تتداخل فيها الأشياء والاستذكارات.
يتناول الكاتب بدر أحمد فكرة وجودية، يصل فيها بين إفرازات الواقع العربي السلبية، وحالة النكوص والخذلان على المستوى العام وسجن العجز الذي تعيشه الأمة العربية، وفكرة الاستلام لأوهام السجن وتخيل صورته القاسية، فحين تتمرد الذات على وضع الاستلام، وتقاوم تخيالاته وأوهامه، استطاعت أن تنفذ من فتحات صغيره على عالم الحرية، كان السجن مجرد غرفة بسيطة متهالكة ليست جدران تفضي إلى المزيد من الزنازين كما في قصة السجين فاريا والكونت دي مونت كرسيتو، اكتشف لحظة الخروج أنه بعد أيام وليال قاسية كان يعيش في أكذوبة سجنه، الذي لم يكن غير غرفة معزولة لا يقف خلفها حراس او سجان غليظ.
التعليقات