تستثمر الجماعات الإرهابية كل قواها لتوظيف الأفكار الغيبية التي تتوغل عبرها إلى أدمغة الشباب والمراهقين والأطفال، وتجعلهم أدوات طيعة لتنفيذ عملياتها ومشاريعها، وجل هؤلاء الشباب عاطل عن العمل، أو أطفال لم يبلغوا السن القانونية بعد، أو مراهقون يعيشون خواءً وفراغاً علمياً ومعرفياً كبيراً، أو يقبعون في دائرة الحاجة والفاقة، وهو ما يسهل لهذه الجماعات المتطرفة توظيفهم واستغلالهم.
ويتساءل كثيرون، في إطار الحديث عن أسباب الإرهاب والتطرف، عن إمكانية إسهام الأدب والفن في توعية المجتمعات والشعوب بمخاطر الإرهاب، هل يستطيع أن يعمل على إيقاف هذه الآفة أو الحد من مخاطرها؟ ما دوره في مواجهة الإرهاب؟ وكيف يستطيع مجابهته والإسهام في خلق بيئة متوازنة غير متطرفة؟
الجهل أداة رئيسية
إن غياب القواعد المعرفية كلياً، بالإضافة إلى الفقر أو التفقير الممنهج، سبب رئيسي تستطيع الجماعات المتطرفة عبره استخدام الشباب والناشئة والفقراء وجعلهم أدوات لتنفيذ جرائمهم ضد الأبرياء والمنشآت العامة والخاصة، لأن هؤلاء الشباب يعانون من خواء فكري وروحي هائل وهم في حاجة إلى ما يهذب نفوسهم ويعيد الحياة إليها ويزرع قيم المحبة والسلام فيها ويطهرها من التطرف والانحراف، وقد يكون الأدب أداة من أدوات التطهير تلك إلى جوار الفن والحب.
يقول الروائي رستم عبد الله، في حديث إلى «العربي»: «أرى أن الأدب بإمكانه تهذيب النفس والسلوك وأداء رسالة هامة عبر كتابات موجهة للطفل عبر ما يعرف بأدب الأطفال والناشئة الذي له دور حيوي وهام بغرس قيم المحبة والتسامح والتعايش ونبذ العنصرية والفرقة والسمو بالنفس وتبشيع الدماء والعنف في نفوس الأطفال حتى نغرس فيهم هذه القيم منذ الطفولة ثم يأتي الأدب الموجه إلى الشباب كونهم الفئة المستهدفة من قبل الجماعات المتطرفة التي تستقطبها وتغسل أدمغتها لتنفيذ أجندتها وأعتقد أن توعية ورقابة البيت وتوعيه الجامع والإعلام الحديث سيسهم بمعية الأدب في تنوير هذا الشأن وحصر الإرهاب في زاوية ضيقة وتفويت الفرصة عليه في استغلال الشباب».
وهو ما تؤكده الأديبة آزال الصُّباري في حديث إلى «العربي»، بقولها، «الأدب منارة الشعوب، وله دوره في نشر الوعي، ويستطيع أن يجابه الإرهاب من خلال إقامة الفعاليات الأدبية التي تناقش فيها هذه الكارثة، وتحفيز الشباب نحو الكتابة والقراءة، وفتح مكتبات للقراءة، وتشجيع الأقلام الواعدة، وجذب الشباب نحو حركة ثقافية معرفية بدلاً من انزلاقهم في هاوية الصراعات الدموية».
إن الإرهاب أداة الإسلام السياسي الطولى التي تضرب المجتمع في العمق، وتعمل على تفريخ أعشاش خطيرة في جنباته، ولا يقتصر القضاء عليه على القوة العسكرية فحسب، بل يحتاج إلى حملات توعية ثقافية وفكرية واسعة المدى تعمل على غرس وترسيخ قيم المحبة والتسامح في المجتمع، ولن يتأتى ذلك إلا عبر الأدب والموسيقى والمسرح والسينما والفن عموماً، وهو ما تؤكده الناقدة والأديبة أميرة شايف لـ«العربي»، التي ترى أن «السبيل إلى مواجهته يكون بتصحيح المفاهيم للنشء وتربيتهم على القيم والمبادئ الصحيحة فكرياً ودينياً وعلمياً وتوجيهه إلى الطريق الصائب».
حرية الفكر والإبداع
ولا يمكن للأدب والفكر والفن أن يؤدي تلك المهمة إلا إذا كان حراً من التطرف والتحيز والقولبة والتنميط والأفكار المسبقة، وإلا فإنه سيكون خادما للتطرف أيضاً، أو محايداً سلبياً لصالح هذا التطرف. تقول أميرة شايف عن ذلك «إذا كان الأدب حراً فسيتمكن من مواجهة الإرهاب والتطرف، وأعني بضرورة أن يكون الأدب حراً استقلالية الأديب عن سياسة التبعية المقيتة لكل ما هو مألوف واستقلاليته أيضا عن رموز الفكر المنحرف، فبدلا عن أن يكون تابعا عليه أن يتحول إلى رمز فكري مؤثر».
الدور الفاعل
يستطيع الأدب أن يكون فاعلا في هذا الخصوص، إذا ما ركز على وظيفته الاجتماعية، واشتغل على تجسيد القضايا السلبية بوساطة الفن، مرتكزاً على أداتي الإقناع والتأثير، وتجسيم صورة المشوَّه والسلبي وإدانته وفضح الأنساق التي تعمل على تحريكه أو دفعه إلى الواجهة، وتقول أميرة شايف بهذا الخصوص إنه «بالنسبة إلى دور الأديب في مواجهة الإرهاب والتطرف، برأيي، هو من أهم الأدوار وأكثرها فعالية في ذلك، فالأديب الجاد لا بد أن يكون له موقف، وقضية يسخر نفسه للكتابة عنها والتأثير في الناس، فإذا تبنى قضية مثل مكافحة الإرهاب والتطرف فإنه سيتمكن من خلق وعي جديد ومؤثر في الآخرين كما أنه سيسهم في خلق وبناء تحولات جديدة للفكر المجتمعي على صعيد الفرد والجماعة».
وفي هذا الصدد، تقول الشاعرة سمر الرميمة لـ«العربي»، إن «دور القوى الناعمة بشكل عام والأدب بشكل خاص هو كشف هذه الظاهرة والتأكيدات المستمرة علي الانتماء الوسطي للعقيدة والوطن والفكر والعمل على تغيير الوعي بما يخدم تطورات البلد، ودعم اللحظة الراهنة للمجتمع الذي يسعى إلى الحق والخير والجمال والاستقرار، من خلال ما يقدمه الأدب بكل أشكاله من رؤى ناعمة تتسرب إلى وجدان المتلقي، فيرتبط به ويدرك حقيقة ما يحاك حوله ويدرك المتربصين به».
لم يعد دور الأديب سهلاً، ولا دور الثقافة والفن أيضاً، لقد أصبح الأمر أكثر صعوبة، ويحتاج إلى تكثيف واشتغال مضاعف ولن يكفي العمل الفردي بل على المؤسسات الأدبية والفكرية والثقافية في ظل غياب دور الدولة كلياً أن تسهم في ذلك وأن تعد حزمة من الخطط والبرامج التي تعمل على توضيح خطورة الإرهاب الناتج عن التطرف بشتى أنماطه دينياً كان أم حزبياً أم اجتماعياً... إلخ، لاسيما أن الإرهاب قد صار يفخخ الحياة والجمال ويشوه الدين ويضرب المجتمع في العمق.