تفتقر الدراما اليمنية إلى روح الجدية من حيث السيناريو والحوار ولعب الأدوار التي يضطلع بها الفنانون أو من حيث تقنيات تنفيذها، وذلك ناتج ربما عن افتقار المنفذين والمنتجين وربما المؤلفين إلى الرؤية والفن، ناهيك عن غياب الممثل المحترف إلا فيما ندر.
سادت لفترة متواترة منذ تسعينيات القرن الماضي حينما أنتج مسلسل «دحباش» روح السخرية المفتقدة للقضية الهادفة فمعظم ما مثل بعده ساخر حد السذاجة وليس حد السخرية بمعناها الإيجابي، إذ يظهر الممثل في معظم أدواره ساذجاً بليداً مؤدياً لدور الغبي محاولاً التظاهر بروح المتاذكي المرح المضحك والمهرج معا حتى في سياق المشاهد الجادة والأدوار التي تقتضي تغييرا في الملامح تناسبا معها حتى في أدوار الحزن والصراع الحاد وتصاعد المشاهد نجد الدور الساذج ذاته هو المهيمن.
إن تلك النمطية تمثل بؤس الدراما اليمنية لكنها لا تقتصر عليه فحسب بل تأتي أمور أخرى تدعم هذا البؤس وعلى رأسها موسمية هذه الدراما وإيديولجيتها وعدم التجانس الثقافي واللهجي لكل ممثليها.
فعلى الصعيد الموسمي، ارتبطت الدراما بشهر رمضان، إذ تتهافت القنوات على إنتاج المسلسلات التي تكاد تتشابه في نهاية المطاف في الأدوار وفي المضامين والتوجهات وفي الروح الساخرة العامة التي تهيمن عليه دون غيرها من الأرواح.
ولم تقتص المسألة على موسمتها فحسب بل أنتجت الحرب نوعا درامياً جديداً جعل المسلسلات إضافة إلى ما سبق تتسم بالنزوع الإيديولوجي والتحيز لأنساق معينة لصالح حزب أو جماعة أو طائفة لا تهتم بالبعد الاجتماعي العام أو البعد الوطني الكلي بل تسعى إلى إقناع المتلقي بفكرة معينة تمليها عليه الانتماءات الضيقة أو التعبئة العامة لصالح جهة بعينها.
وتأتي في سياق المأزق الدرامي إشكالية أخرى تتمثل في عدم التجانس الثقافي واختلاف الانتماء لكل ممثل خاصة حينما ينتمون إلى أسرة واحدة فالأب صنعاني والأم تعزية والابن عدني والأخ ذماري والجد من إب ومقر الإقامة في المكلا ولكل من هؤلاء لهجته التي تختلف عن لهجة الآخر وسحنته وملامحة أيضاً.
إن هذه المعضلات كلها تمثل مأزقاً فارقاً في الدراما اليمنية وتصيبها في مقتل وتنمطها وتجعلها ثابتة لا تتطور ولا تخدم المجتمع أو تؤدي غاية فنية مع استثناءات قليلة وهذه الاستثناءات تكاد تلتزم بالنمط المكرور والمعاد؛ إذ معظم الممثلين لا يجيدون تأدية الأدوار كما ينبغي من حيث تكييف الملامح ونبرات الصوت وطبقاته مع سياق الدور المؤَدَّى، وكذلك التزامهم بدور الساذج والغبي وإلباس الأدوار كلها ثوب البلاهة والتبلد كما لو أن المشاهد كلها والأدوار برمتها لا يمكن لها أن تخرج إلى حيز الوجود إلا بهذه الصورة النمطية التي باتت ثابتة حد عزوف المشاهد عنها لمعرفة طرائق تأديتها ومضامينها التي لا تكاد تختلف عن بعضها.
هل يدرك المخرج أو المنفذ أو المنتج أو الممثل أو السينارست أو المصور أن الأدوار تتكامل وأن العمل يستطيع أن يؤدي أهدافه وفقا للغاية التي ينبغي أن ينفذها؟ وهل يعي هؤلاء أن العمل ينبغي أن يكون تكامليا؟ وهل يدركون أيضا أن قولبة العمل وجعله يبدو كما لو أنه يجسد دورا واحد مع تعدد الأهداف والمواضيع؟
لن تقوم للدراما اليمنية قائمة إلا إذا كان الممثل على وعي كلّيّ بالغاية الفنية والاجتماعية من العمل الذي يؤدي دورا فيه، وكذلك عدم تأدية الأدوار المتعددة في مسلسلات كثيرة بذات السحنة واللهجة والهيئة والملابس وفتح الفم والسذاجة والبلاهة، وذلك كله وسواه يتطلب مراعاة الجانب الثقافي وتأهيل الممثلين واختيار مصورين محترفين لا يؤمنون بالعدسة مجردة عن الفن أو بالفن مجردا عن الواقع.