يقول علماء اجتماع الأدب، إن الظاهرة الأدبية تكون استجابة لتحولات الواقع، يتأثر الأدب بمختلف التحولات التي يمر بها مجتمع ما، فتنشط أجناس أدبية بعينها، ويجد فيها الكتاب الأوعية المناسبة لتصوير الواقع، وكذلك الحال بالنسبة للموضوعات حين تبرز الحساسية الإبداعية باتجاه موضوعات وقضايا معينة في مدة من الزمن، بفعل توافر دوافع الكتابة، تبحث عن أفضية مناسبة للتعبير عنها.
وبالإنطلاق من تحولات الراهن العنيفة، والي تجد الذات فيه نفسها محاطة بالعديد من الأزمات والحروب سيبرر تشكل ظواهر أدبية تأتي استجابة للواقع، وقد كانت أشكال الأدب الذاتي من سير ذاتية ومذكرات ويوميات وذكريات واعترفات وغيرها أفضية مهمة في التعبير عن مواجهة الذات للحياة بأزماتها وتعقيداتها الكبيرة.
خلد لنا الأدب الذاتي سجلات مهمة في المستوى الأدبي والثقافي، وفي مستوى الوعي بالواقع والتاريخ واﻷحداث والحيوات التي تناولها ذلك اﻷدب، فجاءت الكتابة الذاتية استجابة مباشرة لألم الأفراد والمجتمعات في ظروف تاريخية معقدة.
من الأمثلة على ذلك ظاهرة السير الذاتية والمذكرات واليوميات بوصفها ممارسة كتابية اجتماعية، اشتركت فيها فئات من المجتمعات في الغرب عقب محنة الحرب العالمية الثانية، خلدت فيها حيوات وآلام ربما لم يحفل بها مدونوا الوثائق وسجلات وقائع التاريخ، وكتبت تلك اﻷعمال من الزاوية الإنسانية تاريخاً موازياً للتاريخ الذي دونه المؤرخون والسياسيون.
هنا لا يمكن إغفال الوظيفة المعرفية والتاريخية للأدب، لاسيما في هذه الأشكال الحيوية من الكتابة التي تقع في المجال البيني، بين ماهو أدبي وغير أدبي كالاجتماعي والسياسي والتاريخي، وتتيح رؤية المشاهد والأحداث العامة من منظور حياة الإنسان نفسه.
وتشير الدراسات الثقافية إلى انتشار كتابة السير الذاتية والمذكرات في المجتعات التي تعرضت لتحولات كبرى أو هزات عنيفة وأزمات كبرى، ويمكن التنبوء بها في المجتمعات التي تعيش كوارث الحروب والنزاعات، وهناك دائماً قصة حياة عند كل واحد ممن يعانون آثارها.
ففي جنوب أفريقيا، على سبيل المثال، انتشرت كتابات السير الذاتية هذه والمذكرات والاعترافات عقب سقوط نظام الفصل العنصري، وكان هناك الكثير من قصص المعاناة التي تحكى، وتحولت إلى نشاط ثقافي عام. وقبل ذلك كانت ظاهرة السيرة الذاتية والمذكرات في أدبنا العربي عقب تأثيرات هزيمة 1967، وقديما كانت الكتابات التاريخية ذات الطابع الذاتي، والأنماط النصية من السير الذاتية التراثية والمذكرات والحديث عن الذات في القرنين الخامس والسادس الهجريين، واللذان شهدا تحولات سياسية كبيرة في المسرح السياسي في البيئة المصرية الشامية على وجه الخصوص، مركز العالم الإسلامي آنذاك، من ذلك ما كتبه عمارة اليمني والعماد الاصفهاني وأسامة بن منقذ وأبي شامة المقدسي.
والآن يحق لنا التساؤل ـ على مستوى أدبنا المحلي في اليمن ـ هل نحن بصدد الوعي بأهمية هذا اللون من الكتابة؟، هل يغادر كتابنا منهج الحذر والخوف، أو الأيديولوجيا المضادة للكتابة الذاتية، ويخرجون لنا أعمالًا تليق بحجم المأساة الجماعية التي أنتجتها الحرب؟ أليست رواية الحيوات الخاصة مشروعة وبقوة بعد هذه المحنة الكبرى التي نعيش من أزمات ممتدة ومتناسلة في تاريخنا الحديث، وتمخضت عن حرب كارثية معلنة الأركان والشواهد منذ 2015 إلى يومنا هذا (بعد نحو ثلاث سنوات) وفيها من القصص والآلام الفردية والجماعية، وحكايات الصمود والانكسارات والمعاناة والخوف والفقد؟ وغير ذلك من المعاناة مما يخلق قصص حيوات واقعية يجب أن تُروى.
هل يستطيع الكاتب اليمني أن يلج دائرة البوح ومغامرة الكتابة الذاتية؟ وهل نجد صوراً لأنفسنا في أعمال السير الذاتية والمذكرات التي سيكتبها اﻵخرون، بحكم هذه الحياة المشتركة، وأن «ننحني من على كتف نارسيس لنرى وجهنا لا وجهه المنعكس على صفحة الماء» ـ كما يقول منظر السيرة الذاتية جورج ماي ـ عن فعل التلصص على حياة ما في نص السيرة الذاتية.
هل تستعيد كتابة الذات في أدبنا المحلي وجودها بعدما ظلت كتابة السير والمذكرات شأن لبعض السياسيين اليمنيين الذين اشتركوا في صناعة المأساة التي نعيش فصولها بمختلف المستويات، وكتاباتهم مما لا يمكن الاطمئنان إليها لأنها تكتب تاريخاً مزيفاً، وتنطوي على الأكاذيب والمبالغات في ما تنسبه الذات لنفسها، أو الإساءة والتقليل من الخصوم، وهي بالتأكيد بخلاف ما يكتبه السياسيون الآخرون في بيئات ثقافية وديمقراطية لا تقبل هذا التشويه والافتعال الذي نجده عن ساستنا من المدنيين والعسكريين والقبليين على حد سواء!
ولذلك فقد آن أوان بدء المواطن اليمني الكاتب رواية التاريخ الخاص والعام الذي يعيشه من وجهة نظره، وتدوين سجلات الحياة اليومية في مختلف همومها وهواجسها، وتدوين آثار هذه الحرب ومختلف زواياها ومأساتها، مما سيغفله التاريخ كالعادة.
لم تعد هذه الممارسة الكتابية نخبوية تختص بها فئة من المجتمع، وربما كانت هذه الفئة شريكة في التضليل وتزييف الوقائع، فالإنسان اليمني الآن هو المعايش للوقائع والمصاب بشظاياها وندوبها، ويجب أن تتسع ذاكرته لفكرة التدوين قبل أن تصاب الذاكرة بالثقوب، وحينئذ سيقوم الأدعياء من المناضلين والمثقفين المزيفين بملء فراغات الذاكرة باﻷكاذيب.
إن هذا اللون من الكتابة الذاتية الوثائقية لحياة الذات يتطلب الاستجابة المباشرة، لأن الكاتب المواطن هو المعايش للواقع، وهو صاحب القصة المروية، ولأن الأدب الذاتي ليس بالضرورة أن ترتبط استجابته وتطوره بفكرة العصور الطويلة.
فهل آن وقت البوح ليتفجر المكبوت سروداً ذاتية في تخليد حياة عادية في أوضاع غير عادية؟