يمرُ كثير من الشعوب وفي فترات مختلفة بمرحلة الإحساس بالحاجة إلى تأكيد هويتها، إما في مواجهة طغيان محلي أو في مواجهة هوية مستعمر، أو في مواجهة هوية معولمة تكتسح خصوصيات هذا الشعب أو ذاك. وتلبية هذا الإحساس بفقدان الهوية يدفع بالضرورة نحو التاريخ الثقافي المتضمن للخصوصية الثقافية للشعب، الخصوصية التي تحمي من الفرقة والتشظّي، لأن في الثقافة يكمن الوعي بالهوية، وانطلاقاً من هذه العلاقة الوطيدة بين الهويات الوطنية والثقافة، فإننا في هذه المقالة سنعمل على مقاربة سريعة لموضوع الهوية اليمنية في مفهومها العام.
اليمنيون شعب واحد وثقافتهم واحدة في الغالب الأعم، والاختلافات بينهم حتى وإن تحولت إلى تناقضات تناحرية في بعض الفترات التاريخية، فإنها لا تعدو كونها اختلافات في التفاصيل، يتم شحنها وإشعالها إقليميا ودولياً. حتى لو لم نكن شعباً واحداً كما يذهب البعض، فنحن من أرومة واحدة ودين واحد، وجيران على المستوى الجغرافي أيضاً، ولدينا مشتركات تاريخية كثيرة، وذلك يكفي لكي لا يعتبر كل منّا بأنه آخر بالنسبة إلى أخيه.
إن فكرة الوحدة في كيان سياسي واحد ليست بالمستحيلة إذا اتكأت على روح المواطنة المتساوية والديمقراطية، والاعتراف بالتنوع والمساواة واحترام العقل والعدالة في توزيع الثروة، ورفض التوريث ودعم الحراك الاجتماعي للطبقات القابعة في أدنى سلم التراتب الاجتماعي، فضلاً عن الانتصار لقيم الحق واحترام القانون والذات الإنسانية بصرف النظر عن الانتماء القبلي، والمناطقي، والجهوي. لكن للأسف لم يكن لهذه العناصر في قائمة نظام الجمهورية اليمنية التي تأسست عام 1990 أي وجود، ولهذا فشلت دولة الوحدة وفقدت الوحدة بريقها، خاصة بعد حرب عام 1994، واجتياح عدن تحت شعار (الوحدة أو الموت)، ذلك الشعار الذي أطفأ بريق الوحدة، وفقأ عينيها، وأشعل في العقول والقلوب شعلة الانفصال والشطرية من جديد، حيث أصبح من حق الشمال أن يبقى كما كان، ومن حق الجنوب أيضاً أن يختار استعادة دولته التي كانت تعتبر الوحدة منهجا وعقيدة. تلك الدولة التي كانت -وإن في حدود بسيطة- توفر الحد المعقول مما ذكرنا من عناصر لقوام الدولة الموحدة التي كنا نحلم بها.
فدولة الجنوب، دولة لم يشهد التاريخ العربي الحديث دولة بعدلها واحترامها للإنسان، ولو في الحد الأدنى من العدل الذي توفرت عليه، والذي لم يكن موجوداً في أي قطرعربي على الاطلاق، وليس في ذلك مبالغة، كما أننا لا ننزهها من الأخطاء التي وقعت فيها، والحديث عن استعادة الجنوب أو «فك الأرتباط» هو أيضاً حديث عن استعادة الشمال لدولته، وفك ارتباطه من الجنوب.
موضوع الهوية اليمنية لا يعني بالضرورة الدولة اليمنية الواحدة، والحديث عن الهوية الجنوبية ليس بالضرورة أن يقترن بالعداء الأعمى للشمال، لأنه لا يمكن أن يتم –غالبا- خارج الهوية الثقافية العربية الإسلامية، التي تعتمد على القرآن والسنة والفقه والاخلاق والآداب والفنون الإسلامية، وسائر عناصر الوحدة العربية-الإسلامية، وميراثها الذي هو قوام الهوية الجامعة لكل الشعوب العربية الإسلامية. غير أن هذا التعميم لا يحرم أي شعب عربي مسلم في أي بقعة جغرافية من خصوصيته وتميزه في إطار هذا التوصيف العام، إذ يستند في ذلك على الخاص الثقافي والجغرافيا والتاريخ المستقل نسبياً، والظروف المحلية والتطورات، وسعي الناس -ولا أقول القبائل والعشائر- في هذه البقعة من الارض أو تلك، لأن الناس هم من سكنوا هذه البقعة أو تلك بصرف النظر عن أرومتهم وأعراقهم، وذلك الاختلاف النسبي بين الناس واختلاف مشكلاتهم وطموحاتهم هو الذي يجعل كل شعب من شعوب الارض أو كل جماعة في مكان ما من الأرض، مهما صغر حجمها أن تحتفي بذاتها وتفخر بها.
الهوية الثقافية لأي شعب «لا يمكن بالدرجة الأولى أن تعتمد على القرابة او الجنس، ولنا في الهوية العربية الإسلامية الكثير من الأمثلة التي تؤكد مساهمة غير العرب وربما غير المسلمين في بناء عناصر تلك الثقافة والحضارة» راجع، عبدالعزيز الدوري، التكوين التاريخي للأمة العربية 86 -78.
صحيح أن الوحدة والإندماج -أحيانا- تشكلان منعة وقوة، غير أن «الوحدة» عندما تنعطف نحو الاستبداد والضغائن والإقصاء فإنها تهدد وحدة الناس وشعورهم بالانتماء الواحد تهددّ وحدة الشعب، كما أظهرت ذلك تجربة الوحدة اليمنية، وقبلها بعض تجارب الوحدة العربية التي فشلت وأصبحت جزءا من تاريخ هذه الأمة. إن سؤال الوحدة سؤال صعب ومركب ومغلف بقداستها، لهذا فإننا إذا أردنا أن نحافظ على وحدة الشعب اليمني، علينا أن نفكر في الأمر بصوت هاديء بعيداً عن الاستقواء والغطرسة، كما أن علينا جميعاً في الشمال وفي الجنوب «أن نكسر أسنّة الحراب».
* استاذ علم الإجتماع الثقافي في كلية الآداب بجامعة عدن.
التعليقات