في اعتقادي لم يفطن أي فرد أو جماعة أو مؤسسة ما لترويج رواية أو أي كتاب بشري، كما فعل ذلك ثلة من الأدباء والروائيين في مدينة صنعاء، حينما تبرع هؤلاء - برعاية نادي القصة اليمنية (المقة) - الذي يزداد شرفي بالانتماء إليه، من جيوبهم الخاصة من أجل طباعة رواية «فتاة قاروت»، للروائي اليمني أحمد عبدالله السقاف، الذي ولد في حضرموت في العام 1300 للهجرة / 1882 للميلاد، في مدينة الشحر، والذي درس في مدينتي سيؤون وحيدر أباد في الهند، ليستقر به المقام بعد ذلك في أندونيسيا، ويصدر روايته هذه في العام 1927، ثم روايته الثانية «الصبر والثبات» في العام 1931.
في هذه الظروف الراهنة التي هي في غاية الصعوبة والتعقيد على كافة المستويات، أكانت في القصف الجوي على المنازل، الذي يذهب ضحيته الكثير من الشيوخ والأطفال والنساء، وممن ليس لهم علاقة بهذه الحرب العوان، وما تفعله مع الحصار، اللذان دمارا غالبية المواقع الانتاجية والثقافية، الأمر الذي أفرز جيشاً من العاطلين، لا سبيل لهم في الحوز على ما يقيم أودهم وسد رمقهم إلا بالتوجه إلى ساحات الوغى، مع إيمانهم بعبثية هذه الحرب الظالمة، والتي كان من نتائجها أيضاً انقطاع رواتب هذه الثلة من الكتاب والمثقفين لأكثر من سنة ونصف السنة، شأنهم في ذلك شأن منتسبي الوظيفة العامة للدولة في منطقتهم.
ما صنعه هؤلاء الأفذاذ، لا يمكن وصفه بأي مقياس من وصوف الوطنية والإباء والغيرة على بلدهم. لو ثمة من يقدر الأدب، أو يصبوا إليه أو يتأثر به، ممن يشعلون نار الحرب بين أهل الوطن الواحد، لكان أمر طباعة رواية «فتاة قاروت» وبهاذه الكيفية ومن هذه النخبة، كفيل بأن يجعلهم يكفون عن الاحتراب ليعمدوا إلى حل مشاكلهم محلياً بعيداً عن الاحتكام لآلات الدمار والقتل.

***

إن طباعة رواية «فتاة قاروت» بهذه الطريقة وعلى نفقة هذه النخبة الغنية بثقافاتها الزاخرة، وبوطنيتها النابضة، وبحبها للحياة والانسانية والمعوزة في الآن نفسه، لحاجيات يومها الضرورية. والتي تمتلك نفساً أبية آثرت شظف العيش على أن تقتات من كرامة وطن تغنوا به وبأمجاده كثيراً، ورسموا وبنوا عليه أحلامهم وآمالهم، وأحلام الأجيال التي تتلمذت عليهم، وقرأت لهم، كيف يكون الوفاء للوطن، ليؤثروا الجوع مثلهم، فداءً للوطن الذي كانوا أوفياء لمآثره ولروابيه وفيافيه التي عاشوا عليها مذ نعومة أظافرهم.
بأعتقادي، ليس أبلغ من ذلك درس في الوطنية الحقة، كيف لا وهم قد دحضوا بفعلهم كل الوطنيات الزائفة التي تنظر للوطن بأنه مجرد صنم يؤكل عند الجوع ويباع للإثراء غير المشروع.
عمل كهذا في ظروف كهذه يحمل عشرات الرسائل الهامة البليغة ليصل ذكاءها إلى ما يمكنني تسميته بالعبقرية الوطنية.
في محاولتي القاصرة بلا شك لتصنيف بعض هذه الرسائل، أقول إن بعضها عبارة عن رسائل سياسية ذكية توجهها هذه الثلة للأطراف المستخدمة في هذه الحرب في الداخل والخارج محلياً واقليمياً ودولياً. ورسائل لكبار أرباب المال في الاقليم، الذين لا يعرفون من مصارف الزكاة الثمانية إلا مصرفاً واحداً، هو مصرف «الفقراء والمساكين»، لذلك فهم يستثمرون الكثير من أموالهم طوعاً أو كرهاً في صناعة الفقر والفقراء في موطنهم الأصلي، ليقوموا بشكل أو بآخر بجعل أياد الناس هنا سفلى وليس عليا، كما أراد لنا نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام.
ما يؤدي في نهاية المطاف إلى إراقة ماء وجوه بني جلدتهم. ليتشفى في هذا الوطن أعداءه.
ورسائل إلى تجار السلاح الذين فحش ثراءهم، وفي المقابل جلبوا لأهلهم الموت والدمار.