في ديوان عبدالله البردوني الأول «من أرض بلقيس»، نلتقي بقصيدة جليلة جلالة مناسبتها وموضوعها، بعنوان «فجر النبوة»، وفضلا عن جلالة الموضوع والمناسبة فإن البردوني طار بالقصيدة إلى عالم الجمال الشعري الأصيل، الذي لا يتكئ على جلال الموضوع أو المناسبة أو الأفكار المجردة، مع أن الجمع بين جلال الموضوع وجمال الشعر يخفق فيه كثير من الشعراء، لا سيما عندما يكون الموضوع متعلقا بمحمد صلى الله عليه وسلم، نبيا وإنسانا ورجلا تاريخياً عظيما، وتكمن المسألة في قوة الموهبة وعبقرية الشعر وتمثل الشاعر للغة وللموروث الأدبي تمثلا عميقا، وفي خصوبة التجربة الشعرية وغير ذلك.
وقد أنشأ البردوني قصيدة في المولد النبوي الشريف، فاقت في جمالها وشعريتها ما قاله شعراء الدعوة الإسلامية في عهدها الأول من شعر في مدح الرسول والثناء عليه والإشادة به، ولعل تفوق البردوني يعود إلى قوة عبقريته الشعرية وإلى تمثله للتراث الثري في هذا الموضوع. يقول الشاعر في مطلع قصيدته:
«صور الجلال وزهوة الأمجاد
سكبت نمير الوحي في إنشادي
صور من الأمس البعيد حوافل
بالذكريات روائح و غوادي»
فثمة انسجام وانسيابية بين جلال الألفاظ والتراكيب وامتداد الإيقاع مع الموضوع والمضامين، فالشاعر في هذا المطلع يصور ما دفعه إلى عالم هذا الموضوع، وهو دافع شعري واضح، فليس في الأمر إلزام أو تكلف أو إسقاط واجب، فـ«صور الجلال» و«زهوة الأمجاد» هي التي أوحت إلى الشاعر بأن يقول ما قال، وغير ذلك صور من الماضي ومشاهد وذكريات انبعثت انبعاثا شعرياً في روح الشاعر، لأنها ظلت حية متألقة ممتدة عبر الأجيال والآجال.
ومن ثم ينتقل إلى المقطع الثاني مخاطباً «الميلاد النبوي» في ذكراه العطرة، ثم يسترسل في سرد صور من السيرة النبوية سردا شعريا وتاريخيا، إذ نسج من التاريخ والدين والنبوة كائنا شعريا مستقلا، يقول:
«يا فجر ميلاد النبوة هذه
ذكراك فجر دائم الميلاد»
إنه يصف ذكرى المولد النبوي وصفا جديدا طريفا موحيا، لقد اقترن الفجر بالميلاد والميلاد بالنبوة، ثم إن ذكرى هذا الفجر فجر دائم الميلاد، لقد تركت لفظة «دائم» في المعنى الشعري أثرا عميقا وأعطت صفة الديمومة المتحركة الخالدة للميلاد النبوي، فهو ليس مجرد مناسبة عابرة كسائر المناسبات إنها فجر يولد فيولد إلى آخر الدهر.
ثم يواصل الوصف الشعري لما تلا النبوة من أحداث وردود أفعال تاريخية مختلفة قائلا:
«وتهلّل الكون البهيج كأنّه
حفل من الأعراس و الأعياد
وأفاقت الوثنيّة الحيرى على
فجر الهدى و على الرسول الهادي»
إن هذا المقطع والذي يليه يمضي مجسداً رحلة النبي صلى الله عليه وسلم الشاقة من مهده إلى لحده، وتتوالى فيه الأفعال لتصور الملحمة الخالدة، بيد أن الشاعر كان يعمد إلى كسر حدة السرد من خلال لجوئه إلى الجمل الاسمية، معلقاً على ما يجري ومفلسفاً له في بعض الأبيات التي مثلت دافعا لاستئناف السرد وسيرورته.
أما في المقطع الثالث، فقد خلص الشاعر إلى وصف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، من خلال صور شعرية مجسدة لعظمة هؤلاء الرجال انطلاقا من الثقافة الإسلامية قائلاً:
«خاض الرّسول إلى العلا هول الدجى
ولظى الهجير اللّافح الوقّاد
واقتاد قافلة الفتوح إلى الفدا
والمكرمات دليلها و الحادي
وهفا إلى شرف الجهاد و حوله
قوم تفور صبابة استشهاد»
ليست هذه القصيدة الوحيدة التي أنشأها البردوني في المولد النبوي، فثمة قصائد أخرى تضمنتها دواوينه الأولى أنشأها في الموضوع نفسه، لا سيما عندما كان مدرسا معيدا في مدرسة دار العلوم في صنعاء، وكانت الدار تحتفي كل عام بهذه المناسبة العظيمة، ولعل الشاعر في تلك القصائد كان يضخ المضامين الحقيقية للإسلام لما في ذلك من تنوير وتثوير. فمن هنا لم تخرج قصائده عن رسالة تنوير الشعب وتثويره في سبيل تحرره وانفتاحه وتقدمه الاجتماعي.
وإذا كان البردوني قد تناول في المقطعين السابقين من القصيدة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وصفة أصحابه، فإنه في المقطع الثالث منها يصف أصداء الدعوة الإسلامية في شعاب التاريخ الإنساني، وكيف كان الإسلام ثورة شاملة عميقة ممتدة عبر الزمان والمكان إذ يقول:
«بعث الرسول من التفرّق وحدة
ومن العدا القاسي أرقّ وداد
فتعاقدت قوم الحروب على الصفا
وتوحّدت في غاية و مراد»
من هذه المفارقات نسج الشاعر أبياته، لكنها مفارقات واقعية وتاريخية لقد صار التفرق الذي ساد قبل الإسلام وحدة قوية بعد الإسلام، وتحولت العداوة إلى محبة، وكان ذلك بشهادة القرآن الكريم في آيات متفرقة.
وما أجل وأجمل أن تتحرك الأخوة في نفوس القوم كما تتحرك الأرواح في الأجساد باثة فيها الحياة الحقيقة الفطرية، فالمحبة جديرة بخلق الوحدة أما الأنانية والهيمنة فلا يصنعان إلا التفرقة، وانظر إلى هذا البيت الذي يصور مصير الآلهة الجاهلية الوثنية:
«وهناك آلهة تأن وتنطوي
في خزيها وتلوذ في العباد»
لقد أضحت آلهة القوم تلوذ بهم بعدما كانوا يلوذون بها جهلا وضلالا، والأصنام في الواقع لا تلوذ بأحد ولا ينبغي أن يلوذ بها أحد، لكن هذا هو منطق الشعر في تصوير الأشياء والحقائق، وما ألطف إشارة الشاعر واصفاً السياسية الإسلامية حين قال:
«حتى بنى للحق ارفع ملة
ترعى حقوق الجمع والأفراد»
فالإسلام بحق قد حفظ حقوق الجماعة أو الشعب أو الأمة، كما حفظ حقوق الأفراد من غير ضرر ولا ضرار.
ويطوي الشاعر قصيدته بتحية مزجاة إلى صاحب الذكرى العطرة صلى الله عليه وسلم، لكنها تحية شعرية لا اعتيادية، كما لم نجدها صلاة عليه كما يفعل كثير من الشعراء في ختام قصائدهم يقول:
«يا خير من شرع الحقوق وخير من
آوى اليتيم بأشفق الإسعاد
يا من أتى بالسلم والحسنى ومن
حقن الدّما في العالم الجلّاد
أهدي إليك و منك فكرة شاعر
درس الرجال فهام بالأمجاد»
هذه هي صلاة الشعر والشاعر في محراب النبوة، إذ بعثها صافية من ينبوعها التاريخي وزج بها في ميدان الحاضر حيث ينبغي أن تكون وحيث يخدم الماضي الحاضر وليس العكس من غير تعسف أو تقليد أعمى.