في ظل ظروف صعبة وقاهرة يمر بها الناس في عدن، واليمن عموماً، حاول المخرج عمرو جمال عبر الفيلم «10 أيام قبل الزفة» أن يخرج الناس من تلك الظروف إلى رحابة التخييل السينمائي، مراهنا على الاقبال الذي توقعه من قبل الناس، فكان له تحقيق ما راهن عليه، إذ تقاطر المئات من المشاهدين إلى قاعات عدن لمشاهدته والتفاعل معه.
لقد جاء الفيلم في توقيت حرج بعد أربع سنوات من الحرب والدمار التي عاشها البلد، وبعد صراع شرس للناس مع الأزمات التي عصفت بمدينة عدن، وما تزال أمنيا واقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، وهو ما حاول الفيلم معالجته ومناقشته في قالب كوميدي ساخر على نحو ما أكد ذلك طاقم الفيلم.
ويؤكد متابعون أنه ليس المهم في الفيلم مناقشته لقضايا الناس وهمومهم فحسب، بل مجيئه أيضا في هذا التوقيت الذي يعاني فيه الناس صراعا مريرا مع المجهول وشبح الحرب المخيم على كل شبر في البلد.
الروائي حبيب عبد الرب سروري، كتب على صفحته عبر موقع «فايسبوك» مشيداً بالفيلم ومخرجه عمرو جمال قائلاً: «لننحنِ جميعا لعمرو جمال»، مؤكداً أنه «شاب مبدع استثنائي». وأشار إلى زيارة مبعوث صحيفة الـ«لوموند» إلى اليمن، واكتشافه له، وأنه لاحقاً قد «كتب عنه فقرة طويلة مهمة رائعة في أول حلقة من سلسلة مقالاته».
إن تجربة عمرو هذه ليست الأولى فنياً، فله تجارب مسرحية سابقة حققت نجاحات كبيرة في عدن أيام الحرب الأخيرة في العام 2015 وما تلاها، وقد أعاد عبرها إلى عدن وهجها الثقافي، وفي ذلك يشير الروائي سروري بقوله: «بعد سلسلة مسرحيات أخرجها عمرو أثناء الحرب، أعاد إلى عدن عبرها روحها الثقافية العريقة المدينة اليمنية التي سبقت كل الجزيرة العربية في كل شيء تقريبا».
وعلاوة على تلك المسرحيات، فقد أنتج 10 «أيام قبل الزفة» بإمكانيات بسيطة، وفي أكثر أحياء عدن شعبية ليبث فيها الحياة من جديد، أو كما يقول حبيب سروري: «أعاد عبره الحياة إلى عدن»، ليؤكد أنها مدينة لا تنكسر ولا تهزم ولا تذبل روح أهلها مهما حدث.
الصحفي نشون العثماني كتب على صفحته عبر موقع «فايسبوك»: «10 أيام قبل الزفة يجب أن يشاهده كل يمني»، مستطرداً «شاهدوا الفيلم بالضرورة عدن ما بعد الحرب مكثفة جدًا».
الفيلم يتحدث عن شاب وفتاة قررا أن يتزوجا، غير أن ظروف الحرب والنزوح أجبرتهما على الانتقال بحثاً عن ملاذ آمن، وصرفا لأجل ذلك كل ما يملكانه من نقود ليتذوقا مرارة الحرب والتشرد، ويصور الفيلم مشاهد الدمار والخراب التي أحدثتها آلة الحرب في المدينة، وما خلفته من أطلال «سفكت على أسوارها الدماء قبل أن تهدمها القذائف والطائرات والبوارج»، في تجسيد مرمَّز يؤكد الصحفي نشوان العثماني أنه يشير إلى عدن ما بعد الحرب، التي انبعثت من جديد برغم ما يحدث فيها، إذ يقول: «إنها عدن ما بعد الحرب مكثفة جداً؛ كل المشاكل الناتجة، وأثرها المباشر على حياة الشريحة الأوسع في المجتمع تلك التي لا تملك شيئاً غير مرتبها الذي بالكاد يفي لأسبوع، سواء كان مرتباً حكومياً أو عملاً ما على هامش آخر. عدن الحب والحرب».
إن فيلم «10 أيام قبل الزفة» يؤكد إصرار المدينة على التشبث بالحياة، برغم الموت الذي يحاصر سكانها كل يوم، ويترعرع بين أزقتها كورم سرطاني مرعب، إنه تشخيص للحظات الألم من أجل تجاوزها، وتجسيد للرعب الذي مرت وتمر به المدينة حتى لا يتكرر.