لـ«الطنبرة» انتشار كما لـ«الليوا» التي ذكرناها في مقالة سابقة؛ فهي منتشرة في كثير من المدن العربية البحرية ومنها الطنبرة العدنية والعمانية والبورسعيدية... إلخ، وهي عبارة عن غناء جماعي تستخدم فيه آلة السمسمية؛ فرقة غنائية يتجاوز أعضاؤها العشرين تقريباً، وفيها نرى فنا جماعيا، بل إننا يمكن أن نشارك كجمهور في هذا الفن، فهي التجمع الفني الحر لفناني الضمة والسمسمية ببور سعيد, مثلا.
والطنبرة مسرح شعبي حر وأسلوب ذكي للتعبير عن وعي جمعي؛ وفي مصر عرف النوبيون وبدو الواحات تلك الآله؛ وقد غلب على الطنبورة أحياناً الطابع الصوفي وأحياناً المجون في المقاهي و«الغرز»، والآلة الوترية المميزة لرقصة الطنبرة هي آلة السمسمية أو آلة «الطمبرة» الأكبر حجماً وكلاهما سليل آلة عرفت في النقوش السبئية هي آلة «الكنارة». حسب غانم في كتابه «الرقصات الأفرو يمنية»، بحث في أفريقانية اليمن الموسيقية، دار عبادي ط1، 2007، صنعاء، ص25.
الطنبرة إذن هي رقصة وآلة وحركة، وسنأتي على تفصيل ذلك, فهي كما يذكر صالح عبد الباقي الذي يرد اسمه في كتاب نزار غانم أن «هناك حجمان للطنبرة، الكبير ويُعرف بالأم والصغير ويعرف بالبنت؛ فهي آلة موسيقية وترية، حيث يرد ذكر أسماء أوتارها على النحو التالي بـ: بومة - شراره - غليظ - جواب - لاغارس».
ويعرَفها الموقع الإلكتروني «مركز عمان للموسيقى التقليدية» على النحو التالي: «تعتبر الطنبورة أهم الآلات الوترية المستخدمة حاليا في السلطنة والتكوين الحالي للطنبورة نجده امتدادا لحضارات أخرى لم يحدث به تغييرات كثيرة، كما يمكننا متابعة الآثار الدالة على ذلك»، فهذه الآلة ظهرت لأول مرة عند الحضارة السومرية في عام 2700 ق م، وانتقلت بعد ذلك عبر شبه الجزيرة العربية إلى الفراعنة، وعدد أوتار الطنبورة 5+1 فلا يمكن لعازف الطنبورة إعطاء أكثر من هذه النغمات الخمس وقرار الوتر الأول، أي الغليظ منه.
وهي رقصة وحركة أيضاً، وقد اشتهرت بها في اليمن: لحج وتهامة وحضرموت ومدينة الشيخ عثمان إحدى أكبر وأهم ضواحي مدينة عدن, وهي موضوع هذه السطور؛ وحسب أستاذي الجليل إدريس حنبلة رحمه الله «فحركة الطنبرة ابتدأت من غابر العهود» أيام استيطان بعض النوبان، قسم من السودانيين العبيد, مدينة الشيخ عثمان، ويقدر ذلك بعام 1800م يتناسب بقدوم أول طنبرة «الباكوتا» الطنبرة الرئيسة إلى بلدتنا العزيزة ومن ثم تسلسلت منها عدة طنابر فرعية وقد جلبتها بادئ ذي بدء «ريا بنت شايا بنت آل الريا بفتح الراء وتشديد الياء منصوباً، وهي سلالة عريقة في فن الطنبرة ولها الفضل الأكبر في نشر هذا الضرب من الإيقاعات الفنية في أنحاء الشيخ عثمان» صحيفة «الشباب»، العدد 67 - 10 مارس 1951، نقلاً عن «مركز حنبلة للتوثيق»، 2002 ص5.
والطنبرة هي عبارة عن حركة موسيقية قديمة تعتمد على الإيقاع والغناء مثل «الليوا والزار» وكثيراً ما تُذكر أسماء هذه الفنون مجتمعة لدى الباحثين ولدى عامة الناس ممن يشاركون فيها، نظراً لالتقائها في مستوى التمايل الجثماني والسبحات الروحية والصوفية «والطنبرة في حد ذاتها حركة موسيقية قديمة» كالليوا والزار «تعتمد على الإيقاع والغناء ولبعض الأشخاص ولوع نادر في حضور حلقات اللعب التي تقام أسبوعياً... ولكل طنبرة قانونها الخاص بها ولها أعضاء حقيقيون، مؤازرون وفخريون كل يعمل في حدود اختصاصاته ويتخذوا الطنبرة هذه الحركة المسلية هواية لهم ولا يمكن بأي حال أن تفوتهم الرقصات الإيقاعية».
ويذكر الشاعر والباحث الأستاذ إدريس حنبلة، أيضاً وهو أهم من وقفت عليهم في حديث مفصل عن الطمبرة في الشيخ عثمان، أنه في أواسط عام 1949م حدثت أهم منعطفات الطنبرة حين تحررت «الباكوتا» «الطنبرة الرئيسية» من الاحتكار الحكومي المؤقت؛ أثر فتنة بين فرق الطنبرة أدت إلى حجزها؛ وهي مناسبة احتفلت فيها الدوائر الطنبورية وأوساطها بعيد اجتماعي كبير احتفالا مهيبا لبست الشيخ عثمان خلاله جلبابا فضفاضا من الزهو والخيلاء حيث زينت المنازل الإعلام وبدت على المدينة في تلك الآونة آيات الزركشة خصوصاً في حارات الطنبرة ومشايعيهم؛ وقد ترأس الباكوتا قديماً الشيخ محمد عبيد، ولم يتم من بعده التعيينات لخلفه لأن هناك منافسات حادة بين بعض الأشخاص الذين يرشحون أنفسهم لمشيخة الباكوتا وهو الأمر الذي يؤكد بأنها رقصة وآلة وحركة.هكذا وثق الأستاذ حنبلة لتلك الحقبة وفنونها وحفظ بجهده الموهوب لعدن الكثير مما هو جدير بالدراسة والكشف والمتابعة.

* أستاذ علم الاجتماع الثقافي - كلية الآداب - جامعة عدن.
التعليقات