تمثل الرياضة وغيرها من الأنشطة الفنية والثقافية متنفس الشعوب للهروب من ضغوط الحياة اليومية، كما تمثل فرصة لإعادة تأهيل الذات عبر شحنها بالطاقة الإيجابية ابتغاء مواصلة العمل والإنتاج والتقدم والإبداع. هذا ليس الهدف الوحيد للرياضة، ولكنه يمثل في كثير من الأوقات هدفاً أساسياً، لا سيما في تلك اللحظات التي تكون فيها المجتمعات واقعة تحت تأثير أزمات واختناقات حرجة.
لقد شهدت حضرموت مباراة على كأسها بين فريق «شعب حضرموت» من الساحل، وفريق «سلام الغرفة» من الوادي، وقد كانت مباراة اتسمت بحضور جماهيري كبير، إضافة إلى الزخم الإعلامي والحشد الحكومي الرسمي الذي تمثل في حضور سلطة المحافظة وهيئاتها الإدارية والعسكرية، وحظيت بتغطية إعلامية كبيرة.
يبدو الحدث أكبر من كونه مباراة بين فريقين حضرميين على كأس حضرموت، فقد أرادت السلطات الحاكمة في حضرموت أن تقدم رسالة مفادها بأن حضرموت أصبحت آمنة مطمئنة، وأنها تجاوزت حالة الحرب والفراغ الأمني والخوف والقلق، وأصبحت على عتبة البناء والتنمية، وها هي تنظم الفعاليات الرياضية والفنية والثقافية لتطبيع الحياة والسير بها نحو المستقبل.
لقد كانت هذه هي الرسالة التي بدت واضحة من الجانب الرسمي في حضرموت، بيد أن هناك رسالة أخرى ظهرت عفوية وغير محسوبة، وتمثلت في ذلك التدفق الهائل لآلاف الناس إلى الملعب، وهو المكان ذاته الذي كان يدخله من يشاء وقت يشاء، و كان الحضور قبل هذه الحرب لا يصل إلى المئات. يبدو المشهد واضحاً في رغبة الناس في الخروج من مأزق الحرب وتبعاتها والأزمة السياسية التي يشعرون أنهم يعيشون في دوامتها منذ أكثر من 26 عاماً.
إننا حين نتجاوز الرسالة التي أرادتها السلطة من تنظيم هذا الحدث، فإننا لن نستطيع أن نتجاوز الرسالة التي أراد المواطن البسيط أن يرسلها بعفوية ودون ترتيب، وهو يسعى إلى درجات الملعب أو يتسلق السور بالحبال أو يصعد إلى أعلى تلة لمتابعة المباراة، هذا غير الذين تابعوها في القنوات أو الإذاعة. لقد مل الناس حالة العدم والموت والفراغ الذي يعيشونه، وأصبحت رغبتهم عارمة باتجاه السلام والأمن والتعاون من أجل غد أفضل لهم و لأولادهم.
ولكن السؤال هنا يمتد إلى ما بعد الرسالة التي أوصلتها السلطة، فعليها أن تعي ما يريده المواطن، لذا عليها أن تتجاوز حالة الصراع السياسي إلى تطبيع الحياة والبحث عن الاستقرار، و لكن على أساس العدالة وترسيخ النظام والقانون على الجميع. فالجميع في حالة استسلام جماعي لتضع الدولة والحكومة أنظمتها في سياقاتها الصحيحة، وهذا المواطن الذي يرغب في السلام سيكون أول من يقف مع هذا النظام أو ذاك من أجل حياته و حياة أبنائه. الرياضة فن وذوق وأخلاق، وهي أيضاً أداة مناسبة لمواجهة بؤس الصراع السياسي، وفتح أفق جديد لحياة جديدة.
التعليقات