لم يكن أحد يعرف الاسم الثلاثي لهذا الشاب، فمنذ عُرف في الحي، عُرف باسم صفوان فقط بلا لقب، لكن السكان يعرفون أن صفوان أحد أبناء أسرة مغتربة في السعودية في كفالة أحد الأمراء، وتم ترحيله إلی اليمن لسبب ما، وقد كان ترحيله أحد خيارين، إما أن يرحل وحيداً، أو أن ترحل الأسرة جميعاً.
بعد ترحيله، سكن أحد دكاكين الحي، ولكنه عجز عن دفع الإيجار، وكان الشباب ممن هم في مثل عمره يشاركونه طعامهم.
تنقل بين أعمال عده، لكنه لم يكن المهني المحترف، ولا هو الشاب الذي أكمل تعليمه فحصل علی شهادة في أي تخصّص، فظل يتنقل من عمل لآخر: عمل في البناء لكن جسمه لم يمكنه من الاستمرار في هذا العمل الشاق، ثم عمل لعدة أشهر في بيع «البخت نصيب» وهي ألعاب أطفال صغيرة مختلفة الثمن، وسعرها زهيد يبيعها بسعر موحّد فيكسب بعض المال، وكثيراً ما كان يفقد رأسماله لأنه يشتري طعامه وقاته منها، فيصبح بلا رأسمال، فيتوقف عن العمل لأيام إلی أن يتدبّر أمره ويعاود بيع «البخت نصيب».
في الأيام التي لم يكن يعمل فيها، كان ينام حتی العصر، كي يلغي إحدی وجباته، ويتكفل أصدقاؤه وجيرانه في الحي بوجبة غداء لصفوان، الذي كان يرهن تلفونه دائماً لقاء شراء الطعام أو السجائر، وحالما يعمل يذهب لأخذ تلفونه وتسديد دينه.
كانت علاقته بأهل الحي، لا يشبهها إلا علاقة الابن بأسرته، وجد فيهم عوضاً عن أسرته التي رحل عنها. والتي ظل يوهمها أنه بحالة جيدة، وعندما كانوا يسألونه: هل تحتاح شيئاً؟ يقول لهم: لا أحتاج شيئاً.. هل تحتاجون أنتم؟
طلب منه صاحب الدكان المغادرة لأنه يحتاج المحل لتخزين أثاث أسرة غادرت بعد بدء القصف علی صنعاء. عثر علی دكان آخر في حي مجاور، لكن ارتباطه بهذا الحي ظل يرافقه، ودائماً ما كان يزور الحي، ويتنقل فيه ويستودع الحاضر سلامه للغائب.
حصل علی عمل في أحد المقاهي الشبابية، ومباشرة تحسّن مظهره وحالته الجسمية، فمن الواضح أن دخله وتغذيته تحسّنت.
نصحه أصدقاؤه بالتمسّك بهذا العمل، لكنه فقد عمله في المقهی بعد فترة قصيرة، يقولون إنه معتد بنفسه ولا يقبل تعدي أحد عليه.
ومجدداً وجد صفوان نفسه بلا عمل، ولا نعرف علی وجه الدقة كيف ومتی التحق بإحدی جبهات القتال، وكلما كان يعود يزور حيّه القديم، حيث دكانه الأول ورفاقه، يقضي عدة أيام ثم يغادر من حيث أتی.
في آخر مرة شوهد في الحي اضطر لبيع خزينة الرصاص الاحتياطية لسلاحه الآلي، كي يؤمن ثمن مواصلات العودة للجبهة.
خمسة أيام بعدها فقط، وصل خبر مقتلة برصاصة في الرأس في نهم، أودعت جثته ثلاجة المستشفی العسكري، وأبلغ أقاربه بمقتله، ذهب اثنان منهم لتسلم جثته في كيس أسود بلا صندوق، وبعد جهد جهيد، وبعد وضع رهن، وضعت جثته في صندوق، ومنح أقاربه خمسون ألف ريال، وسلاحه الآلي وجعبته. شيّعه أصدقاؤه في الحي علی سيارة في جنازة لم يتعد عدد المشاركين فيها العشرة. وعندما وصل أخوه الذي يعمل في مصنع للمياه في صعدة، كان صفوان قد ووري الثری، وهو الذي فشل في الالتقاء بصفوان مدة ثلاث سنوات، وكلما يتواصل معه كان يتهرّب، وكأنه لا يرغب أن يری أحداً من أهله حاله.
عاش صفوان بائساً ومات بائساً، لم تسعه الغربة كما لم يسعه الوطن، تاركاً وصيته عند صديق له، ضمّنها ديونه، موضحاً فيها كم هي ولمن.
والدة صفوان في السعودية بالعناية المركزة منذ وصلها الخبر.
كان لصفوان أحلام، وأمنيات، منها أن يلتقي أسرته من جديد، كان يفكر أن يعود للسعودية عن طريق التهريب ككثيرين، وظل يؤجل الفكرة التي أصبحت شبه مستحيلة بعد بدء عمليات «التحالف».
لم يكن صفوان زيدياً ولا شافعياً، كان فقط صفوان، ذلك الشاب الذي يبيع «البخت نصيب»، لكن عندما لم يجد عملاً أو سكناً أو طعاماً، عمل مقاتلاً لمدة عامين، ضمن له هذا العمل طعاماً ومأوی، وجعل بخته ونصيبه أن تنتهي حياته برصاصة في الرأس.
لا أحد يعمل مقاتلاً إلا وينتهي مقتولاً ليكون صفواناً آخر، وكمّ من صفوان هنا وهناك لم يكن مقاتلاً ولا مجاهداً، كما يسمّيه البعض، لكنه العمل الوحيد المتاح الذي يضمن لقمة ومأوی، وإنْ كانت النهاية رصاصة في الرأس، وتخرج جثته في كيس أسود، يستخسرون إخراجها في صندوق، إلا بعد ترك رهن كضمان.
إنها الحرب، كل ما فيها قبيح، ولا تأتِ إلا بالوجع، أثرياؤها يتطاولون في البنيان والثروة ولا يمسّهم سوء، ووقودها صفوان... وآلاف مثل صفوان.