ربما مرت أربع سنوات منذ شاهدته للمرة الأولی، كان عمره لا يتعدی التاسعة من العمر، يدور في محيط الجامعة بيده علبة «لبان»، يترجی الرائح والغادي أن يشتري منه، وعندما لا يجد استجابة منهم، تغلبه دموعه ويجهش بالبكاء، لكنه لا يمل عرض بضاعته علی العابرين، اختلطت صورته في مخيلتي بصور فتيان آخرين: منهم من يبيع المناديل، أو يفترش الرصيف، وأمامه ميزانا يلح علی العابرين أن يعرفوا أوزانهم، مقابل أي مبلغ يدفعونه أو بلا مقابل، أطفال يمسحون السيارات، وآخرين في ورش ومطاعم وأماكن كثيرة اعتدت مشاهدتهم فيها، كما أعتادها العابرون.
هذا الفتی تحديداً، شاهدته مرات كثيرة، مرة يبيع بيضاً مسلوقاً ومرة فواكه، وقبل شهر تقريباً كان علی إحدی الحافلات يجمع الأجرة من الركاب، يومها دفعت له مائة ريال أعاد لي ثلاثين ريالاً منها طلبت منه الاحتفاظ بها لكنه رفض وبعد الحاح مني أخذها بعينين لامعتين فرحاً.
تمر عليه وجوه كثيرة لذلك لا يتذكرني، لكن صورته عالقة في مخيلتي تستدعي سابقاتها كلما رأيته في محاولة جديدة من محاولات البقاء التي يخوضها في وجه الفاقة والأبواب الموصدة، أميزه من ملامحه الوديعة المبتسمة، وعينه التي تغشاها المياه البيضاء والتي تكبر كل مرة عن سابقتها.
دخل ظهيرة الثلاثاء الماضي، قاعة المحاضرات بوعاء إسطواني برتقالي اللون، يربطه بحبل علقه علی كتفه يبيع فيه «الآيسكريم»، ولأننا في الشتاء، تصمد عبوات «الآيسكريم» قليلاً قبل أن تذوب، لكن ذلك لن يحدث بعد عدة أسابيع عندما يغادرنا الشتاء، قال لي بود وابتسامة أعرفها جيداً: خليهم يشتروا مني! لم أنتبه إلا وأنا أسال طلابي في القاعة: من منكم يريد أن يشتري منه؟ ولكن لم يشتر منه أحد، غادر القاعة بابتسامة وقال لي: شدي علی «النزغات»، والنزغات كلمة ربما تكون أقرب كلمة لمعناها المشاكسين أو المشاغبين.
عندما غادر القاعة، تداعت أمام مخيلتي كل صوره وهو يبيع اللبان والبيض المسلوق ويجمع الأجرة من ركاب الحافلة، واليوم يبيع «الآيسكريم» في وعاء برتقالي، ومعه تداخلت صور كل الأطفال في بلدي، حيث تقتل الطفولة نفسياً ومعنوياً، وداهمتني أسئلة مرة ليس لها إجابة لا تخص هذا الطفل فقط، ولكن كل الأطفال الذين تضطرهم الظروف للتنازل عن حقوقهم من غذاء وصحة وتعليم وأمان وترفيه، ويخرجون للحياة باعة متجولين أو متسولين، أو عاملين في أعمال لا تناسب سنهم ولا قدراتهم، تنهشهم الانتهاكات بكل أشكالها، تهدر قواهم وصحتهم وآدميتهم من أجل فتات، وتمر بهم السنون ليجدوا أنفسهم ونجدهم في أحسن الظروف عمالاً غير ماهرين، لم ينالوا نصيباً من تعليم أو تأهيل، وقد أنهكت قواهم الأعمال الشاقة والتغذية الهزيلة.
تقدر إحصائيات منظمة العمل الدولي نسبة الأطفال المنخرطين في أعمال مختلفة في اليمن، بحوالي 14% من الأطفال، فيما تشير إحصائيات محلية، إلی ثلاثة ملايين طفل يعملون في أعمال مختلفة، زيادة عن إحصائية سابقة قدرت العدد بأكثر من مليون ونصف طفل، وتأتي هذي الزيادة بسبب تدهور الوضع المعيشي وموجات النزوح المختلفة، والوضع الأمني وتفاقم آثار الحرب واستمرارها، وتتزامن زيادة عدد الأطفال العاملين مع ارتفاع عدد الأطفال المتسربين من المدارس.
كان ثمة جهود محدودة وربما موسمية أو احتفالية تناهض عمالة الأطفال، وتجري المسوحات الميدانية وتطل علينا بأرقام مخيفة، تجعلنا في مقدمة دول المنطقة، لكن الآن تقفز الأرقام ارتفاعاً ولا جهود، ومسببات عمالة الأطفال في تزايد تضطرهم بضعفهم وبناهم الجسدية الهزيلة للعمل: أي عمل وبأي مقابل.
سيظل الطفل الذي لا أعرف اسمه، بروحه المرحة ومحاولاته الدائمة للعمل في أعمال مختلفة، ومثله مئات الآلاف من الأطفال وجع في خاصرة الوطن، لن يتعافي منه لسنوات طويلة إلی أن توجد النوايا التي تجعل الطفولة «قاعدة هرمنا السكاني» نصب العين.
ظاهرة عمالة الأطفال اليوم واحدة من تحديات المستقبل، أما الحاضر فترسم ملامحه الحرب والفساد وتجار الحروب، ثلاثي يصادر الحاضر ويصيب الطفولة في مقتل.
التعليقات