تشهد مدينة المكلا عاصمة محافظة حضرموت، ارتفاعاً غير مسبوقاً في أسعار بيع وإيجارالأراضي والشقق السكنية، ما تسبب في وقوع أزمة سكن حادة لدى أبناء حضرموت. ويرجع مراقبون الأزمة، إلى أسباب تتعلق بالحرب التي ما تزال تدور رحاها في كثير من المناطق اليمنية، حيث استقبلت المكلا وعموم مناطق حضرموت، عشرات الآلاف من النازحين إبان اندلاع الحرب في مارس العام 2015، واليوم، تستقبل المدينة الآلاف من الحضارم العائدين من السعودية، الذين فضلوا العودة إلى ديارهم، بعد أن تضاعفت معاناتهم جراء تدهور الظروف المعيشية، بسبب رفع السلطات السعودية التكاليف المالية للإقامة والسكن على اليمنيين المقيمين.
وبحسب أصحاب مكاتب عقارات في المكلا تحدثوا إلى «العربي»، فإن «أسعار الوحدات السكنية في المدينة، ارتفعت خلال الأشهر القليلة الماضية، بنسبة من 70 إلى 100% في الأحياء العادية، أما في الأحياء الراقية وسط المدينة، فبلغت الزيادة 200%، خاصة مع عودة آلاف الحضارم من السعودية إلى مناطقهم الأصلية خلال الأسابيع الثلاثة الماضية.
سالم بارفيد، صاحب مكتب عقارات في المكلا، يقول لـ«العربي»، «منذ أن بدأت أزمة المغتربين اليمنيين في السعودية، زاد الإقبال على شراء الأراضي ليس في الأحياء والمناطق العادية فحسب، بل امتدت حركة البيع والشراء إلى المناطق النائية، التي لم يكن أحداً يفكر يوماً أنه سيعيش فيها، كونها تفتقر إلى أبسط مقومات الأحياء الصالحة للسكن الآدمي».
ويضيف بارفيد، أن «الأزمة الحالية في السكن، أدت إلى ارتفاع إيجارات المنازل الشعبية والشقق السكنية خمسة أضعاف ما كانت عليه قبل أزمة ترحيل بعض المغتربين من السعودية، وعودة البعض الآخر بشكل طوعي، بعد أن ضاق عليهم العيش هناك، حيث ارتفعت الإيجارات في الأحياء العادية في مدينة المكلا من 30 ألف ريال (75 دولاراً) للمنزل الشعبي، إلى 50 ألف ريال (125 دولاراً).
غير مقبول
عادل باجابر، أحد الشباب الحضارم الذين عادوا من السعودية إلى حضرموت، يتطلع إلى أن يحضى بسكن مناسب له بعد أن يتزوج، إلى جانب حلمه بأن يفتح محلاً تجارياً يكون مصدر رزقه في المستقبل المنظور. يقول باجابر «تفاجأت بهذا الإرتفاع الجنوني في أسعار العقارات في المكلا، لقد أصبح البحث عن شقة تأويني أنا ومن سأتزوجها مهمة شاقة، وبالذات في الأحياء التجارية، بسبب ارتفاع أسعار إيجارات الشقق والمحال التجارية».
ويضيف باجابر، في حديث إلى «العربي»: «عند زيارتي للمكلا قبل أربعة أعوام، لم تكن أسعار العقارات والمحال التجارية مرتفعة على هذا النحو. اليوم يصل إيجار العقار التجاري إلى ما بين 180 ألفاً و250 ألف ريال (450 و625 دولاراً)، وهذا الإرتفاع الجنوني غير مقبول تماماً».
الدفع بالريال السعودي
وشهدت مدينة المكلا في الآونة الأخيرة، توسعات كبيرة في العمارات السكنية الجديدة، إضافة إلى قيام عدد من ملاك المنازل القديمة، بإعادة بناء وترميم تلك المنازل لتكون متوافقة مع متطلبات السوق في الوقت الراهن.
مراقبون يرون أن التهافت والتنافس على شراء واستئجار المنازل والأراضي السكنية والمحال التجارية في المكلا، وبهذا الشكل الجنوني، أوجد تنافساً غير أخلاقياً، من شأنه أن يحرم آلاف البسطاء وذوي الدخل المحدود من الحصول على مسكن يأويهم وعائلاتهم، وسيكون السكن حكراً على الأغنياء والمتنفذين.
وفي هذا الإطار، يشير رئيس اللجان المجتمعية في مدينة المكلا، رشدي بإضاوي، إلى «ضرورة وضع خطة عاجلة لكبح جماح ملاك العقارات في المكلا، ومواجهة الآثار المترتبة على ارتفاع أسعار بيع وإيجار العقارات في المدينة».
ويقترح باضاوي في حديث إلى «العربي» أن «تشكل لجان مشتركة بين ممثلي المكاتب التنفيذية في السلطة المحلية، ورؤساء اللجان المجتمعية، وعقال الحارات، لوضع سقف محدد لأسعار بيع وشراء واستئجار العقارات في مدينة المكلا، خصوصاً مع استمرار تزايد توافد العائدين من السعودية، وتزايد الشكاوى ضد بعض ملاك العقارات، الذين يطردون مستأجري عقاراتهم بحجة طلب زيادة في دفع الإيجارات، كون من سيعود من السعودية، سيكون قادراً على دفع إيجار بسعر أكبر، وبالفعل، يحدث ذلك في كل يوم، بل إن بعض ملاك الشقق والمنازل، أصبحوا يشترطون مسبقاً على أن يكون دفع إيجار المنزل بالريال السعودي».
طفرة أم أزمة؟
وكان مدير هيئة الأراضي والمساحة والتخطيط العمراني في حضرموت الساحل، المهندس عمر علي نعمان، أعلن في وقت سابق عن «تجهيز مخططات لأراض تابعة للحكومة، ستصرف للشباب وللمغتربين بشكل جماعي، بهدف تمكينهم من بناء منازل شخصية لهم».
وكشف مدير عقار ساحل حضرموت، عن «توجيهات تقضي بمنح الأولوية لموظفي الدولة في الحصول على أراضي لهذا الغرض، إضافة إلى مخططات توسعية ستكون جاهزة، وأخرى ضمن المخطط النموذجي التوجيهي الخاص بأفراد قوات الأمن والجيش».
وفي السياق، وخلال ندوة خاصة بتنمية الإستثمار العقاري في حضرموت، أقيمت في نهاية أكتوبر الماضي، تساءل وكيل محافظة حضرموت لشؤون مديريات الساحل والهضبة، سعيد عثمان العمودي، «هل حضرموت تعيش حالة من الطفرة العقارية؟ أم أنها حزمة من العشوائيات أدت إلى ما تشهده الحركة العقارية في المكلا من ارتفاع في سعر الأراضي والبيوت والإيجارات؟»، وأكد العمودي، على «ضرورة تفعيل العمل بقوانين ولوائح تنظم العمل العقاري»، منوهاً بأهمية تقييم العمل في مصفوفة العقار، وخاصة فيما يتعلق بالإستثمار العقاري.
وأوضح العمودي أن «النجاح في هذه المرحلة الصعبة، هو نجاح للكل، ويعود نفعه على الجميع بما فيها السلطة والمواطنين».
من جانبه، قال نائب رئيس غرفة تجارة وصناعة حضرموت، فارس بن هلابي، إن «حضرموت تشهد حركة تجارية نشطة في مجال الأراضي والعقارات عموماً، في ظل الظروف الملائمة للإستثمار، نظير ما تنعم به المحافظة من إستقرار أمني ونهضة عمرانية في حضرموت، التي تمتلك البئية المشجعة للإستثمار، وهناك إقبال كبير على شراء الأراضي، ما يتطلب من السلطة المحلية، توفير البنية التحتية والخدمات، بحيث أن هناك توجه عام وملحوظ من قبل التجار والمغتربين الحضارم، إلى الإستثمار في المحافظة»، منوها بأن «كل هذه العوامل سوف توفر الفرص الإستثمارية المهمة للقطاع التجاري، وتجعل الجميع يتطلع إلى نهضة تنموية شاملة في حضرموت».
ومع تصاعد أزمة العقارات في المكلا، زادت شكاوى المواطنين بإعتداءات النافذين على الأراضي العامة والخاصة.
التعليقات