حرب طال مداها في اليمن. أوضاع إنسانية صعبة. أمراض وأوبئة منتشرة. انهيار اقتصاد وغياب أمن غذائي وأمان. في الحروب، الكل خاسر. آثار سلبية لحقت بكل أفراد المجتمع اليمني، والطفل يبقى الضحية الأكثر تأثراً، فما يعيشه ويشاهده، سيترك فيه آثاراً تخلف مشكلات نفسية وصحية، ستتجلى في شكل أمراض إجتماعية، ستحكم مستقبله والأجيال، حتى بعد وقف الحرب، لكن كيف هم اليوم أطفال اليمن عامة وأطفال حضرموت خاصة؟ وما هو وضع الجيل الذي يعوّل عليه في بناء المستقبل وإصلاح ما دمرته الحروب؟
يذكر أن تقرير منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونسيف»، يتحدث عن أن اليمن يعد من أسوأ الأماكن على وجه الأرض، التي يمكن أن يعيش فيها الأطفال في الوقت الحالي. لنأخذ محافظة حضرموت نموذجاً، والتي تحتل 36% من مساحة اليمن، لنستطلع انعكاسات الحرب وآثارها وأخطارها النفسية والإجتماعية مع دخول الحرب عامها الرابع.
توضيح
تقرير «اليونسيف»، له أبعاد كثيرة وكبيرة جداً، ولكن من خلال جملة، نستطيع أن نقول إن هذا الوضع السيء جداً في اليمن، لم تقصد به «اليونسيف» كل اليمن، وإنما المناطق التي تحت وطأة الحرب وشملها الدمار، مثل محافظتي صنعاء وتعز وأجزاء من محافظة عدن وغيرها. أما المناطق «المحررة»، مثل حضرموت، الأوضاع فيها متردية وأحوال المعيشة صعبة ومريرة، وهذا ما توضحه التقارير التي تصدرها المنظمات الحقوقية ومنظمات الأطفال العاملة في اليمن.
وخلال السنوات الخمس الماضية، تم انتهاك حقوق الأطفال بشكل سيء بسبب الحرب والدمار والتشريد والنزوح، ما خلف قلقاً نفسياً واضطرابات وغياب أساسيات الحياة عند الأطفال.
أضرار
وصلت آثار الحرب في محافظة حضرموت، والجميع تضرر منها، ويوضح ذلك، الأخصائي النفسي والتربوي، الدكتور سالم باجري، بالقول: «الأهالي في حضرموت يحاولون قدر المستطاع أن يكونوا الدروع التي تستقبل ضربات وويلات الحرب وأناتها، لكي لا يشعر الأطفال بضرر نفسي، وهذه ميزة ساعدت على حماية أطفال حضرموت، والوضع الراهن لأطفال المحافظة إذا قيس بالمقاييس العالمية، فلا شك سيكون الكثير من التخلف والقصور في هذه المعايير، ولكن بشكل عام وعلى الرغم من كل الظروف التي تمر بها اليمن، يعتبر أن أطفال حضرموت يعيشون في مرحلة متوسطة، وأن التأثير الإقتصادي باستطاعتنا تجاوزه، إذا ما طالت الحرب وساءت الأوضاع، لأن كثيراً من الناس لا يستطيعون الصمود، وهذا سيسبب ضرراً خطيراً قادماً على ما تبقى من الأطفال في حضرموت».
إحتياجات أساسية
هناك معايير دولية تتفق عليها الدولة والمنظمات الإنسانية ليعيش الأطفال حياة كريمة، وتتمثل في الهواء النقي والمياه والغذاء والمأوى والمسكن والملبس النظيف، والنوم والراحة، والتي لا يمكن لأي طفل من دونها أن ينمو نمواً طبيعياً. ونجد أن بعض الأسر في حضرموت، تعيش في خيم وأماكن غير آمنة، والبعض الآخر لا يجد المياه النظيفة، ولا الطعام السليم، في الوقت الذي تنتشر فيه الأوبئة في وضع مأساوي حقيقي لا يسبق له مثيل منذ أمد.
الإعلامية صباح سعيد، أكدت «أن الوضع سيء خصوصاً للأطفال في حضرموت، نظراً لما تمر فيه البلاد من الحروب وانعدام الاستقرار السياسي، أما التأثر فكان من الجانب الإقتصادي والعلمي والنفسي والصحي وهو الأساس في نظري».
آثار الحرب على الأطفال
وحول أوضاع الأطفال في حضرموت، توضح «أن الآثار النفسية ملموسة عند الأطفال، حيث يصاب الأطفال بالخوف، ما يسبب لهم أمراضاً نفسية عدة، منها عدم الثقة بالنفس، وضعف الشخصية، والتبول اللاإرادي والعدائية، والأثر الآخر في ظل تردي الوضع الإقتصادي، هو لجوئهم للعمل بحثاً عن لقمة العيش، حيث أن هناك أعمالاً خطرة تستغلهم وتتاجر بهم. وهناك آثار أخرى صحية، كإصابتهم بأمراض عدة نتيجة عدم توفر الغذاء السليم، ما يؤدي إلى سوء التغذية وعدم النمو الطبيعي للأطفال. أما الأثر العلمي، فهو تدني المستوى التعليمي والتراجع في مستوى الذكاء وعدم الرغبة في التعليم وغيرها... وكذلك عدم توفر أماكن آمنه وبيئة جيدة للتعليم، في ظل نقص الكادر التعليمي والحاجة إلى توفير الكتاب المدرسي».
شاهد على العصر
ويعود مدير العلاقات في مؤسسة «حق» لحقوق الإنسان، طاهر باعباد، بالذاكرة إلى ما قبل الوحدة، ويقول، إن «الأطفال في الجنوب في زمن ما قبل الوحدة، عاشوا في رفاهية وعناية خاصة من الدولة، وللأسف الشديد بعد وحدة عام ٩٠، تدنى الإهتمام في شتى المجالات، ومن ذلك الطفولة، إلا أن محافظات الجنوب ومحافظة حضرموت تحديداً، ظلت الطفولة فيها بخير، وإن كان ذلك ليس بالشكل المأمول. وللأسف الشديد، هناك من يسعى إلى نقل الكوارث التي تحصل بحق الطفولة من الشمال إلى الجنوب، ومن ذلك إستغلال الأطفال في أعمال التسول والنشل والسرقة، والجرائم الأخلاقية».
ويضيف أن «الملاحظ أن كل أو معظم هؤلاء الأطفال، هم من الشمال، وتحديداً من محافظة حجة، حيث أنني شخصياً وفي نزول مع مكتب السياحة إلى أحد الفنادق في سيئون، التقيت بعدد من الأطفال الذين يتم استغلالهم في عملية التسول، إذ كانوا جميعاً من محافظة حجة الشمالية. وقد لاحظنا قبل فترة، أن هناك أطفالاً بين جنود المنطقة العسكرية الأولى، تم تداول صوراً لهم في كثير من المواقع، وهذه كارثة إنسانية كبيرة، في اعتقادي إنه لا خوف على الطفولة في الجنوب وحضرموت تحديداً، كون ثقافة حماية الطفولة متأصلة في الأهالي أولاً، والمجتمع بأكمله ثانياً، إلا أن الخوف هو في استمرار تصدير تلك الثقافات من الشمال إلى الجنوب وحضرموت.
التعليقات