يظل النزوح والتشرد الكابوس المرعب، الذي يرافق أبناء تعز منذ بداية الحرب في العام 2015 وحتى اليوم. يتنقلون من مكان إلى آخر بحثاً عن المكان الأكثر أماناً. يجولون في حواري المدينة من حارة إلى أخرى، يحملون من ملابسهم ما إستطاعوا إلى ذلك سبيلاً، ومن يوم إلى آخر، تستعر الحرب، ويستمر الانتظار لحل ينهي الصراع، في ظل تقاعس دولي يحاك بالأزمة اليمنية لإنهاء المصالح الدولية على حساب الشعب، الذي ظل ينشد الحرية، فأوشك أن يفقد الحياة.
«نازحون على قيد الحياة، الموت أرحم من البهدلة»، هكذا بدت كلمات الحاج قاسم الحمادي، من أهالي حي الدحي، وسط المدينة، الذي حدثنا عن رحلة النزوح الرابعة له، مع قدوم شهر رمضان المبارك. يصطحب عائلته إلى شارع التحرير الأسفل في حي المغتربين»، ويضيف وهو يحمل هماً لا تستطيع الجبال الراسيات حمله، وبنبرة حزن، وخوف تسكن أحشاه، وملامح ذعر إرتسمت على جبينه المتصبب عرقاً وقهراً، وبصيص أمل، «ليست المرة الأولى التي أنزح بها أنا وعائلتي، المكونة من ستة أشخاص. بتنا نسكن في دكان صغير، وبعد معاناة في البحث عنه»، ليست المرة الأولى لجميع التعزيين، فهم نالوا من الحرب كل أحقاد أطراف الصراع. بات الحاج قاسم وأسرته في الرصيف قرابة أسبوع كامل، وهو يبحث عن مأوى لعائلته وأطفاله. ويواصل بصوت متقطع، ودموع تشق وجنتيه، «أكثر ما أرّقنا خلال رحلة النزوح البرد والمطر والبعوض المنبعث من القمامة الغائرة في السائلة الممتدة على طول شارع التحرير الأسفل».
النزوح واحداً من بين أشياء أخرى تعرف إليها ساكنو مدينة تعز مع الحرب، بل لم يقف ذلك التعارف المفاجئ عند مجرد الإدراك، فقد قدم التشرد نفسه إلى مواطني المدينة كأمر واقع وفرصة أخيرة للنجاة من موت محسوم، تحت أصوات القصف وبكاء الأطفال، كان الجو مروعا للغاية، فلم يكن للأهالي إلا أن قبلوا ذلك العرض السخي، وباشروا سفرهم في صمت صاخب، غير أنهم حين غادروا المنازل هذه المرة، لم يرَ أحد أي حقائب معهم، فقط كانوا بثياب خفيفة يركضون في هلع، ولا يلتفتون إلى الخلف. المئات من الأسر كانت تركض على ذلك النحو إلى المجهول، وكان ذلك أمراً مربكاً في البداية، لكنه مع الوقت، صار ظاهرة معتادة في صباحات المدينة. حصل كل هذا طوال أعوام الحرب الثلاثة الماضية، وكانت الحرب سبباً ريئساً لحالات النزوح تلك، والتي عاد منها أناس كثيرين إلى الآن، عدا أن الأسابيع القليلة الماضية، رصدت حالات نزوح جديدة في المدينة لأسباب لا تمت للحرب بصلة، حتى أولئك الذين جازفوا ولم يشاركوا في الهجرة الأولى وجدوا أنفسهم مضطرين لمغادرة منازلهم الآن.
(العربي)

نزوح من نوع آخر

بجاش عتيق أحد سكان حي التحرير الأسفل، شمال شرق مدينة تعز، واحد ممن لزموا حيهم ولم يغادروه لأي سبب كان، ولا حتى فراراً من الموت المترصد له كبقية المواطنين، بقي بجاش وأسرته في منزلهم منذ اندلاع الحرب، ولم ينزح إلى أي مكان، على الرغم من اضطرام معارك ضارية على بعد مبانٍ قليلةٍ من حارته، فضلا عن الليالي الممطرة بالقذائف، لكن، وقبل عام تحديداً، كتب لهذا الصمود خاتمة غريبة، يسردها الحاج بجاش، في حديثه إلى «العربي»، قائلاً: «بعد أن صارت الحرب أبعد من ذي قبل، وخف هطول قذائف الموت، وجدتني مجبراً على ترك منزلي والنزوح إلى شقة مؤجرة، فكما ترى لقد تحولت السائلة المحاذية لسكني إلى مقلب لنفايات المدينة كلها، فكان عليّ الهروب بأسرتي من الأوبئة المترتبة على ذلك، وقد بدأت تنتشر بالفعل، فلا تمر بضعة أيام إلا وأنا أقوم فيها بأصطحاب أطفالي إلى المستشفى بشكل متكرر». السائلة التي يشير إليها الحاج بجاش، هي عبارة عن مجرى أرضي يخترق المدينة من أعلاها إلى أدناها، يساهم ذلك المجرى في تصريف مياه الأمطار المنحدرة من سلسلة جبل صبر الواقف على الحواف الجنوبية للمدينة، كما تصب فيه مياه الصرف الصحي، وإن كان جزء كبير من المجرى مطمور تحت الأسفلت، فعلى طوله ثمة مسافات مفتوحة، (مهوّاة)، وهي ما يستعملها المواطنون الآن كصندوق قمامة عميق يقذفون داخله مخلفاتهم يومياً وبانتظام حتى قاربوا على ملئه، معلقين أمل تنظيفه على السماء في (موسم المطر).
(العربي)

مدينة الذُباب

حارة بجاش ليست وحدها فقط، بل تعز بأكملها تحولت إلى مزبلة كبيرة. المدينةُ بأسرها بدأت تغرق في أكوام القمامة، حتى تلك الشوارع الأكثر اكتضاضاً بالناس أُثقلت أرصفتها ببقايا الأطعمة، ليستحيل على أحد اختراقها دونما أن يسد أنفه بقوة، فالرائحة المنبعثة منها حادة، ونتنها كفيل بأن يسقطك في إغماءة طويلة.
«هذه المدينة لم تعد تصلح للإنسان، ووجودنا فيها مسألة تطفلية لا أكثر، ربما من الأفضل لنا تركها للذباب والحشرات والبحث عن بيئة أخرى صحية لنسكن»، بهذه الكلمات يصف أحمد الصوفي وبمرارة الحال المزري الذي وصلت إليه المدينة. أحمد ذو الـ 36 عاماً، يقطن حي «ديلوكس» وسط المدينة، والذي لا يقل ضرراً عن باقي الأحياء، لم ينزح الصوفي مثلما اقترح على الآخرين، بسبب ظروفه الإقتصادية التي حالت دون ذلك، فظل هو وأسرته وطفليه في مكانهم عرضة للأمراض والأوبئة، «لأننا قريب من مكان رمي وحرق القمامة، يجلس البيت مليان دخان طول اليوم، حتى أن عيالي أصيبوا بالربو، وأبي أيضاً يعاني من ضيق في التنفس وأمي كذلك سبب لها الدخان صداعاً مستمراً».
وما بين أعمدة الدخان التي تتسلق سماء المدينة على نحو مستمر، وتوسع النفايات في مساحات جديدة لها على الأرض، يقف أهالي المدينة بين نارين، إما أن يضلوا عرضة للأمراض والأوبئة، أو يرحلون للبحث عن مكان آخر بلا قمامة، ووحدهم قاطنو شارع جمال من حالفهم الحظ، وحلت عليهم بركات مكتب السلطة المحلية، إذ جدير بها أن تظهر بصورة أنيقة أمام الجميع، لذا فهي تحرص على بقاء محيطها لامعاً على الدوام، وتكتفي بكنس فناء مبانيها فقط، بينما على بجاش انتظار موسم المطر، ليعود إلى منزله، وإن كانت هذه السيول تزيح عن المدينة خطراً حين تجرف أمامها الأوساخ، فليست نهاية الحكاية، فهي فقط تفتح حكايا أشد ألماً في حقول ريف شمال المدينة!