عند بوابة «سوبر ماركت» الجندول الواقعة في شارع الزبيري وسط صنعاء، يقف عبدالله اليريمي (موظف حكومي) حائراً بكيفية تصريف مبلغ 5 آلاف ريال يمني من العملة الورقية الجديدة ذات الفئة 1000 و 500 ريال، والتي أشيع بشكل واسع خبر منع تداولها خلال الأيام القليلة الماضية، وانتشر انتشار النار في الهشيم.
يروي اليريمي في حديث إلى «العربي»، كيف تمكن، الأربعاء الماضي، تصريف مبلغ 1500 ريال من ذات العملة في سوق للخضراوات والفواكه، قائلاً: «كان بحوزتي 6500 ريالاً من ذات العملة، في هذه السوبر ماركت رفضوا قبولها». يقول ذلك مشيراً بيده إلى إعلان ورقي (غير رسمي) على واجهة الـ«سوبرماركت»، ويضيف متسائلاً: «لماذا سمحوا لهذه العملة بالدخول إلى مناطق سيطرة حكومة الإنقاذ؟ ما ذنبي أنا إن كان لحكومة الانقاذ في صنعاء سياستها ومبرراتها؟».

تعميم مشكوك في صحته

واللافت في قضية منع تداول العملة المقدر حجمها بما يقارب الـ200 مليار ريال، والتي دخلت تدريجياً قبل نحو عام ونصف للتداول في ايدي اكثر من 15 مليون يمني يعيشون تحت حكم سلطة صنعاء، عدم وجود قرار رسمي معلن بهذا الخصوص. وحصل «العربي» على تعميم - مشكوك في صحته- موجهاً إلى مجلس إدارة الغرفة التجارية والصناعية، بأمانة العاصمة يحمل رقم 189 بتاريخ 09/08/2018، من وكيل قطاع التجارة الداخلية في وزارة الصناعة، وتضمن نصّاً صريحاً بمنع «تداول العملة الجديدة فئة 1000 و500 ريال»، مشدداً على «ضرورة قيام الغرفة التجارية، بسرعة إلزام التجار والمستوردين، والمنتجين وتجار الجملة والمولات ومحطات مشتقات النفطية، بعدم التعامل والتداول بالطبعة الجديدة فئتي 1000 و 500 ريال».
وحثّ التعميم على «إلزام التجار بإشهار قرار منع التعامل بفئتي 500 و 1000 الجديدة في لوحات بارزة»، مشدداً على أن «أي مبالغ مالية من الفئتين ذاتها يتم التعامل بها، سوف يتم ضبطها وستتخذ إجراءات صارمة وإتلاف تلك المبالغ المالية».

مضاربات في سوق العملة

وفي حديث إلى «العربي»، شكّك الحاج محمد سيف الشرعبي، مالك «سوبرماركت الأمل» الواقعة في حي النهضة بصنعاء، في صحة التعميم، متهماً جهات وصفها بالنافذة بالوقوف وراء العملية لخلق ما وصفها بسوق سوداء للعملة المحلية، «الظاهر هناك من لا يرى ما يعانيه المواطن اثر الأزمات المتتالية، فيعمل على اختلاق معاناة إضافية»، ملمحاً إلى أن العملية عبارة عن «مضاربات بين نافذين وتجار عملة يتحكمون بسوق الأوراق المالية!».

بدائل غير ضارة

وفي سوق لبيع القات عند طرف شارع هايل، يكاد النزاع يحتدم بين بائع للقات وأحد عملائه على خلفية العملة الورقية الجديدة، وقبل أن يتطور إلى اشتباك بالأيدي، يتدخل صادق محسن، بائع قات آخر مجاور، معلناً قبوله العملة الورقية محل النزاع قائلاً: «هات العملة اللي معك وأنا سوف اقبلها، فهي عملة يمنية وجديدة، والناس ليس عندها بديل».
محسن، وفي حديث إلى «العربي»، لا يخفي توقعاته بأن «تقر الحكومة في صنعاء البدائل لمعالجة القضية من دون أن تضر بمصالح المواطنين، أو تتراجع عن قرار المنع»، مشبهاً إجراءات منع تداول العملة الجديدة بالمثل الشعبي القائل: «معزّيّة بعد شهرين، مقلّبة للمواجع»، وذلك في إشارة الى سماح الحكومة في صنعاء بتداول العملة قبل نحو عام ونصف، واعتياد الناس عليها واستخدامها، ومن ثم إعلان منعها فجأة.

حلول افتراضية مقترحة

الناشط على شبكات التواصل الاجتماعي، فيصل الشامي، يرى أنّ «مبررات المسؤولين في حكومة صنعاء بعدم قبول النقود الجديدة التي أصبحت في متناول أيدي الناس بشكل كبير ليست مقنعة»، معرباً عن اعتقاده بأن «المنع سيؤثر على جوانب اقتصادية أخرى تتعلق بالإيرادات المختلفة».
ويشير في هذا الصدد إلى أن حكومة «الإنقاذ» في أمس الحاجة لهذه الإيرادات، «أنت في أمس الحاجة إليها، منها الجمارك أو الضرائب أو الواجبات الزكوية أو أي رسوم أخرى»، مضيفاً «إن رفضت استلامها من المواطن الذي لا يملك غيرها سيضطر لعدم التسديد وبالتالي تأثّرت الإيرادات». وفي هذا الإطار، يلفت إلى بروز مشكلة جديدة، «فمعظم أمناء الصناديق أصبحت لديهم مشكلة في المبالغ من هذه العملة التي تم تحصيلها سابقاً».
ويعبّر الشامي عن أمله في إيجاد الحلول المناسبة للقضية، منها على سبيل المثال «التوجيه الى البنوك ومنها البنك المركزي بقبول تلك العملة عند رقم محدد للمبلغ، وترك تلك العملة تدور في السوق حتى تتهيأ الظروف لأي حلول، أو يحدث الانفراج بتوقّف هذه الحرب وهذا العدوان الغاشم وهذا الحصار الظالم».

منع السفر بجوازات صنعاء

وفي سياق متصل بتفاقم معاناة المواطنين من سكان صنعاء وضواحيها، والمحافظات الواقعة تحت سلطة حكومة «الإنقاذ»، تفيد الأنباء الواردة من حكومة الرئيس عبدربه منصور هادي، أنّ الأخيرة أقرّت إلغاء العمل بجوازات السفر المستخرجة من صنعاء بعد العام 2015م. قرار يعني أنّ المسافرين من المحافظات الواقعة تحت سلطة حكومة صنعاء (هم في الغالب من الطلاب أو المرضى)، سيحتاجون إلى البقاء لأيام وربّما أسابيع، إمّا في عدن أو مأرب، لاستخراج جوازات سفر جديدة، بما يعنيه ذلك من مشاق سفر ونفقات إقامة إضافية، هذا إن كتب لهؤلاء تجاوز نقاط التفتيش المنتشرة على طول الطرق بأمان!
وعند بوابة مصلحة جوازات صنعاء، التقى «العربي» المواطن عبدالله عبدالقادر الرداعي، وهو يرافق مريض من أقاربه، وقد استكمل استخراج جوازي سفرهما بغرض العلاج في الخارج. يقول الداعي إن الإجراء الذي اتخذته حكومة الرئيس هادي «تعسفيّا وقاتلا للمريض»، الذي أقر الأطباء علاجه في الخارج على وجه السرعة، موضحاً «لا اعرف إن كان مريضنا سوف يعيش حتى نستخرج جواز سفر جديد من عدن أو مأرب... حكومة هادي والإنقاذ يتصارعان فوق رؤوسنا!».
التعليقات