حينما دقت طبول الحرب في اليمن العام 2015م، كانت الشابة العشرينية، وردة هاشم أمير، تخوض معركتها الجانبية مع الحياة الزوجية، في معركة مصيرية لم تخفق في حساباتها، لكنها كانت وابنتها رهف الخاسرتين، في المعركة. منتصف العام الماضي، حزمت الشابة المطلقة، ذات السحنة السمراء، أمتعتها واصطحبت رهف من مدينة المعاناة والوجع وزواج القهر، إلى المدينة التي كانت تظن أنها ستكون طوق النجاة الأخير، لقارب حياةٍ أجهدهُ طوفان الأسى الإجتماعي، لكنها لم تكن تدرك حينها أنها ستلقي بحياتها في أتون مدينة الجحيم... وما أن حطت رحالها في منزل عمها زوج أمها ضياء، في حي الشنيني وسط مدينة تعز، إلا وبدأت رحلة أخرى من العذاب والهوان المغموسة بالذل، والمعتقة بالقهر.

وردة.. ورحلة الهوان
لم يكن حي الشنيني بالنسبة لوردة سوى بستاناً من الأشواك يسقيه عمها بالدم، ويجفف أغصانها اليانعه بسموم وحشيته الجشعة التى تهِـب عليها من كل اتجاه، من دون مراعاة لظروفها القاهرة ومعاركها الخاسرة، بل ذهب لشن حروب متعددة ضدها، بعدما رفضت أن تتسول في شوارع المدينة وتعود إليه ببضع دراهم معدودة يشبع بها وحشيته المقيتة. وفي كل حروبه تلك، كانت أمها تقف في موقف الحياد «مستكثرة عليها حتى مجرد التنديد»، كما يقول الجيران، وربما كانت هي الأخرى تخشى على نفسها من ويلات ذلك المسخ.

جريمة مرعبة
مطلع الأسبوع الجاري، كان حي الشنيني على موعد مع حادثة، لم تكن الأولى بقاموس الجرائم في مدينة باتت الجريمة تلف عنقها يوماً بعد آخر، لكنها تعتبر الأولى من نوعها منذ اندلاع الحرب في المدينة. حادثة تقشعر منها الأبدان وتصعق من هولها العقول الراسيات. «أُحرِقت وردة أو أَحرقت نفسها داخل غرفتها في سوق الشنيني»، لا فرق بين الطريقتين طالما أن الضحية واحدة. هكذا ربما وبكل برود أصبح الحديث عن وردة التي ظلت حليقة الشعر مقيدة الأيدي والأرجل في غرفتها قرابة ثلاثة أيام، ولم يلتفت لها أحد، حتى أمها التي التزمت الصمت، وقسم شرطة الباب الكبير، والذي سبق وأن قدمت إليه وردة بلاغاً بتعرضها للإعتداءات المتكررة من قبل عمها. فجأة أمسى خبرها وهي محروقة القلب متفحمة الجسد حديث العامة، يدوي اسمها في أرجاء المدينة. وعلى الرغم من أن حوادث مثل هذه أو مشابهة لها باتت متكررة، إلا أن ما سعَّر الحديث عنها، وأضفى له مزيداً من الأهمية، يتمثل بكونها شابة عشرينية نازحة، احترقت أغصانها وذبلت، مخلفة وراءها طفلتها الوحيدة رهف ذات الأربعة أعوام، والتي لا تزال تنتظر معاركها المجهولة في الحياة، إن كتب لها في العمر بقية.

شهادات متضاربة

مواطنون ومقربون من عائلة الفتاة، أوضحوا في حديث لـ«العربي»، أن «وردة فتاة يتيمة الأب ومطلقة نزحت مع ابنتها رهف من مديرية أصاب بمدينة ذمار، إلى تعز، منتصف العام الماضي، بعدما ضاق بها الحال ذرعا، وتعرضت لعدة مضايقات من طليقها، بعدما رفضت إعطاءه رهف، ابنتهما الوحيدة». وأضافوا أن «الفتاة ومنذ أن وصلت المدينة سكنت في منزل عمها ضياء علي عبده صالح، والذي هو الآخر نازح من مدينة أصاب ومستأجر منزل متواضع من الحاج طه أمين في حي الشنيني، يسكن فيه مع خمسة من الأولاد، وبنت، أي أصبحوا ثمانية أفراد مع وردة ورهف، في بيت متواضع».
وتابعوا أن «عمها كان يأمرها بأن تذهب للعمل أو التسول لتعول نفسها وبنتها، كونه لا يستطيع أن يوفر لهما احتياجاتهما»، مؤكدين أن «ضياء قام بتعذيب وردة واعتدى عليها بالضرب المبرح وقيدها يومين متواليين، ما دفعها لإحراق نفسها، هرباً من جبروت عمها وقسوة الحياة وصمت أمها التي ظلت ملتزمة الصمت جراء ما يحصل لها». وأشاروا إلى أنهم «لم يكونوا ليعلموا بالحادثة لولا رائحة المكان النتنة والتي دفعت فضولهم لإبلاغ قسم الشرطة، الذي بدوره داهم الغرفة واستخرج جثتها المتفحمة».
في المقابل، أوضح «م، ص، س»، وهو أحد جيران الشابة وردة أمير في حديث لـ«العربي»، أن «وردة فتاة عانت الكثير من الويلات في حياتها، في ظل زوج أم ﻻ يرحم يضربها بشكل شبه يومي كونها بلا عائل ولا بيت يأويها إلا بيته»، مضيفاً أن «وردة تعرضت لضغوط قاهرة من عمها الذي أصبح عائلها الوحيد، أجبرها على التسول والوقوع فريسة سائغة بين يدي بعض ضعاف النفوس في الحي، الذين استغلوا حالتها المادية والنفسية المتردية، لممارسة أعمال لا أخلاقية، دفعت ثمنها شرفها، وروحها».
ولفت إلى أن «وردة تأخرت عن البيت إلى ساعة متأخرة من الليل، فعاقبها عمها بالحبس في غرفتها، بعدما قيدها وضربها ضربا مبرحا، وحلق لها شعر رأسها»، مؤكداً أن «عمها حبسها منذ ذلك اليوم وحتى صباح اليوم الثالث تحت التعذيب المستمر، ثم أحرقها». واستغرب الشاب قول البعض إن «وردة أحرقت نفسها»، مضيفاً «كيف تحرق نفسها وهي مقيدة ولا تستطيع أن تتحرك والجميع يعرف ذلك، بل كيف حصلت على المادة التي أحرقت بها؟»

من أحرق وردة؟
وللفصل في تلك المعلومات المتضاربة والمتشابكة، ذهب «العربي» لتقصي الحقيقة والبحث عن المعلومة من مصادرها. المتحدث باسم المركز الإعلامي لشرطة تعز، النقيب أسامة الشرعبي، أفاد في حديثه لموقعنا، بأن «الأجهزة الأمنية باشرت بالنزول إلى مسرح الجريمة مباشرة، وقامت بجمع المعلومات والأدلة الجنائية الاولية للحادثة»، مضيفاً أن «الأجهزة الأمنية ألقت القبض على المدعو ضياء علي عبده صالح، والمتهم الأول في قضية إحراق الفتاة وردة هاشم».
وأكد أن «المتهم محجوز في إدارة البحث الجنائي، ولا تزال التحقيقات مستمرة»، موضحاً أن «النتائج الأولية للتحقيقات تشير إلى أن ضياء، والذي يعتبر عم وردة نظراً لزواجه بأمها، هو الجاني». من جهته، أوضح مصدر طبي، في مكتب الصحة بتعز، في حديث إلى «العربي»، أن «وردة وصلت إلى المستشفى وقد فارقت الحياة»، مؤكداً أن «الحريق الذي تعرض له جسدها هو حريق من الدرجة الثالثة، لا يؤدي إلى الوفاة غالبا، لكن الكم الهائل من الكدمات والبثور في جسدها يشير إلى أنها تعرضت للتعذيب قبل أن تحترق». ويعتقد المصدر الطبي، أن «وردة قد تكون توفيت بسبب التعذيب، وأن عملية الإحراق لم تكن سوى محاولة لتمويه الجريمة».