إذا ما هل هلال شهر محرم، الذي يعتبر أول أيام السنة الهجرية، وأنت في وادي حضرموت ورأيت الأطفال بمختلف أعمارهم يجولون في شوارع أسواق وأزقة المدينة وبين منازلها حاملين بأيديهم الصغيرة مباخر تنبعث منها رائحة اللبان البدوي، فاعلم أن هذه إحدى طقوس الاحتفال بدخول العام الهجري الجديد.
فمنذ إشراقة صباح اليوم الأول من محرم، تستعد أمهات أطفال مدينة سيئون الطويلة وبعض المناطق المجاورة لها، بتجهيز مباخر بداخلها الجمر وبجانبها علبة مليئة باللبان البدوي، لينطلق بعد ذلك الأطفال في مجموعات لإدخال الفرحة والأماني الجميلة إلى كل بيت من بيوت الحارة، مرددين أهازيج شعبية تعتبر من تراث مدن ومناطق الوادي.

عادة أصيلة
الحاج رجب سالم يتحدث لـ«العربي» عن هذه المناسبة، يقول: «مدخل السنة عادة أصيلة من عادات وادي حضرموت، حيث يتجمع أطفال الحارة في جماعات صغيرة، كل مجموعة تحمل معها مبخرة واللبان البدوي ويطرقون بيوت الجيران مع ترديد أهازيج شعبية مثل: (مدخل السنة بركة والسيل فوق الدكة، يا لبان يا كوكبان أبعد إبليس والشيطان)، مع قيامهم بأخذ جولة في داخل البيت لتبخيره»، ويضيف ضاحكاً «كنّا في زماننا نقبل بالحلويات القليلة أو هدية بسيطة، أما أطفال اليوم فإنهم يفرحون بالمال أكثر من أي شيء آخر».

ذكرى وحنين
أما الحاجَّة نور سعيد، تقول في حديثها إلى «العربي»، إنه «منذُ صباح اليوم الباكر أيقظني أولاد الحارة بفرحة دخول العام الجديد، هكذا كنا في الصغر نحتفل بالطريقة نفسها مع صديقات الطفولة، وكنا نجمع الكثير من الحلويات ونقتسمها في آخر النهار، القلوب كانت متآلفة ومتحابة ندخل كل بيت وكأنها بيوتنا، زمن جميل لا أعتقد أنه يعود».

لـ«تريم» وجه آخر
مدينة تريم الوجه الحضاري لمحافظة حضرموت، لم تغب عنها أفراح العام الهجري الجديد، حيث يتجمع أهالي المدينة بمنطقة عامة ويقوم بعض الرجال بطباخة (الشربة) في قدر كبير جداً وتسمى طبخة رأس السنة، كما يقوم آخرون بتزيين المكان حول ساحة الاحتفال ببعض الأعشاب التي تزرع بمدينة تريم وضواحيها، مرددين أهازيج شعبية قديمة مثل: «كبيدة على رأسي وجبته من الوادي وبعته بخمسية ولا جاب لي عشوية»، وأيضاً «محشي لذيذ مطبوخ في وسط مخضة منفوخ». والمحشي وجبة شعبية شهيرة وخاصة بمدينة تريم، كما يقوم الأهالي بتوزيع صحون الشربة لكبار السن والمقعدين الذين لم يتمكنوا من الحضور إلى ساحة الاحتفال، لإدخال السرور إلى قلوبهم بمناسبة العام الجديد، ويتم كل هذا وسط زغاريد نسوة الحي الذي يأتي إليه الوفد لتسليم الوجبة.
وفي هذا، يقول المهتم بالتاريخ الحضرمي محمد عمر الجابري في حديثه لموقع «العربي»، إن «هناك عادات قديمة في مدينة تريم مرتبطة بدخول السنة الهجرية، وهي عادة المحشي ُيزيّن الحارة، حيث تقدم وجبة المحشي كوجبة رسمية متعارف عليها بمساء هذا اليوم فقط من كل عام، والمحشي عبارة عن لحم مجفف معمول بطريقة لا يعرف طباختها غير نساء المدينة».

أصل وموروث
وعن أصل هذه العادات والتقاليد، اختلفت الروايات، فمنهم من يرى أنها عادات تعود إلى ما قبل الإسلام، وقد اعتبرت في بعض أحاديث التاريخ أنها موروث وثني قديم مارسته مملكة حضرموت في القرن السابع قبل الميلاد، وهذا الموروث عبارة عن طقس بداية العام القمري يتقرب به للإله «سين» وهو إله «القمر»، عبر تبخير الطرقات والبيوت والمعابد لأجل أن يحمي الإله «سين» النفس والولد والماشية والممتلكات سائر العام، وجلب المطر وتخصب الأرض.
يقول المهتم بالتاريخ الحضرمي محمد عمر الجابري: «حاولت البحث عن زمن ظهورها ولكنني للأسف لم أجد من يذكرها بدقة من المؤرخين، لكن كلها مجرد شروحات... ولربما غيري عنده معلومات والله أعلم».
وفي حين يرى البعض أنها شرك، فللشاب محمد عبدالباري وجهة نظر مختلفة، يقول لدى حديثه إلى «العربي»، إن «الاحتفال بالسنة الهجرية هو ليس عبادة بل عادة، والعادات تدخل في مضمون العرف والأعراف مقدسة كما يقول الإمام مالك، إذا لم يذكر فيه القرآن والسنة نأخذ بما عرف عند أهل المدينة»، مضيفاً «الأمر الثاني أن الاحتفالات التي تقام بمناطق وادي حضرموت ليست بدخول السنة الهجرية، ولكن الاحتفال هو بهجرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة وتأسيس دولة الإسلام، إذاً بتبسيط أكثر، هذا احتفال بقيام الدولة الإسلامية كما نحتفل بقيام الجمهورية اليمنية في 22 من مايو، وكما تحتفل أي دولة بيومها الوطني، وليس للموضوع أي ارتباط ديني».
يذكر أن هذه الاحتفالات أعيد إحياءها في السنوات القليلة الماضية، فيما كانت قاب قوسين أو أدنى من الاندثار.